حضور الدولة يقرّب الميليشيا من الأفول
ماذا يعني نفيُ لقاء استخباري في تركيا بين مسؤولين سوريين وممثلين عن "حزب إيران/ حزب الله"؟ ولماذا يُنفى؟ لأنه بلا نتائج فضلت الدولتان الطرفان فيه أن يبقى سرّياً. أما "الحزب" فلم ينفِ ولم يؤكّد، لأنه ميليشيا وليس دولة، ولأنه دائم التعطّش إلى دولة/ جهة تتحدث معه للإيحاء بأن هناك مَن يعترف به كـ "رقم صعب" أو طرفٍ "ذي شرعية ما"، أو أن شيئاً لا يمكن أن يتغيّر من دون موافقته/ أي من دون موافقة إيران.
لم يكن خبر "رويترز" فقاعة عابرة، ولا إشاعة أطلقتها ذبابة إلكترونية، بل كان فيه منطق سبق للرئيس السوري أن شرحه بأن أي حوار يجب أن يكون "لمصلحة البلدين"- سوريا ولبنان، وليس لمصلحة حزب أو ميليشيا. يُذكر هنا أن إعلام "الحزب" لا يعتبر أن ثمة دولة في سوريا، بل مجرّد سلطة، تماماً كما يتحدّث قادته عن السلطة (لا الدولة) في لبنان. وكانت هناك تفاصيل، منها أن الجانب السوري عرض ما يطلبه من "الحزب" تحت عنوان "عدم التدخل" كـ "تفكيك خلاياه النائمة" ووقف عمليات تهريب الأسلحة والمخدرات، وتوقّع التزام التنفيذ، لكن "الحزب" أكّد "عدم التدخل"، وهذا تعهّد هروبيٌ ومبهم. ومن التفاصيل كذلك أن إيران استاءت من عدم دعوتها إلى لقاء ما كان ليحصل لو لم تسمح لـ "الحزب" بالمشاركة فيه كي يطالب بلقاء سوري- إيراني، وهذا لم يحن أوانه بعد.
واضحٌ ما تريده دمشق، أما "الحزب" فيريد ما تريده طهران من سوريا، وكذلك من لبنان: أن تبقيا في "محور المقاومة"، تحت قيادتها وتوجيهاتها، لكونها تقود الصراع ضد الشيطانَين الأكبر والأصغر، ولأن الثاني (العدو الإسرائيلي) يحتل أراضي في البلدين بدعم وموافقة من الأول (الولايات المتحدة). الاحتلال مبرر للمقاومة، لا شك في ذلك، لكن المشروع الإيراني، كما تبدّى طوال عقدين ونيّف، برهن العكس. فحيثما حلّ أوهن جيوش الدول، وعملت ميليشياته على إلغاء الدولة لمصلحة العصابة (اليمن) أو لمصلحة نظام منبوذ (سوريا الأسد) أو لمصلحة مافيات مذهبية فاسدة (العراق) أو لمصلحة منظومة فساد موصوفة (لبنان). أما "المقاومة" فنسيت مهمتها وبات تقتصر على تسهيل المزيد من الاحتلال والدمار. جرى الأمر ويجري كما لو أن نظام طهران افتقد منذ زمن مَن له بصر وبصيرة ليرى ما أحدثه من خراب في أربع دول عربية (+ قطاع غزّة)، وأخيراً في إيران نفسها.
بعدما تخلصت سوريا من النظام الذي حوّل نفسه إلى ميليشيا في أيدي حُماته الإيرانيين، بات مصير الميليشيات محسوماً في العراق مهما تطلّب من وقت وصراعات، وها هي عصابة الحوثيين في اليمن تكتب نهايتها بنفسها بعدما شكّلت أسوأ نموذج لتعامل الميليشيا مع الشعب وللفشل في إدارة بلد وللغباء في إحباط الحلول السياسية، كما في الاعتقاد أن العالم يمكن أن يتعايش مع عصابة تتحكّم في مضيق باب المندب وتتناغم مع إغلاق إيران مضيق هرمز.
يبقى لبنان في معاناته مع عدوّين، إسرائيل المهووسة بتطرفها وجرائمها وسعي رئيس وزرائها إلى مكسب انتخابي ولو من حادثة "فلاي دبي"، وإيران الغارقة في لجّة العقوبات والخسائر والإصرار على تحقيق "انتصار" على أميركا والعالم. وبين هذه وتلك، تحاول الدولة اللبنانية أن تبقى نقطة الضوء في آخر النفق. وعندما حمل الرئيس نواف سلام، ومعه عدد من الوزراء، شيئاً من الأمل إلى النبطية المهددة من العدو الإسرائيلي، حاول "حزب إيران" إحباط زيارته، لأن أي حضور للدولة يقرّب لحظة أفوله.
نبض