حديبية علي الطاهر!
تحليل سياسي لتسوية تلة علي الطاهر ودور التفاوض في إنقاذ لبنان من الحرب، مستوحى من تشبيه حسن الخميني لصلح الحديبية.
مثير فعلياً تشبيه حسن الخميني، حفيد مؤسس إيران الإسلامية، التفاهم مع الأميركيين بـ"صلح الحديبية" بين الرسول العربي وقريش. فعلياً، ما وقع وصف "الفتح المبين" على أُحُد أو بدر أو الخندق، إنما على ذلك الصلح. وأجمل من خطبة الخميني مشهد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي منصتاً مصغياً إليها.
إذا كانت لإيران "حديبيتها" مع أميركا، فلماذا لا تكون لنا حديبيتنا في تلة علي الطاهر؟ المسألة هنا لا دينية ولا تاريخية. إنها سياسية بامتياز. حين تحتاج إيران إلى تبرير التفاوض مع "الشيطان الأكبر"، تعود أربعة عشر قرناً إلى الوراء لتجد في السيرة النبوية شرعية للمهادنة. لا تقول إن أميركا أصبحت صديقة، ولا إن كل ما قيل فيها طوال 47 عاماً سقط فجأة.
ليست كربلاء!
ألا يصح هذا في علي الطاهر؟ فالتلة ليست كربلاء، ولا القدس، ولا آخر شبر من أرض المسلمين. إنها أرض لبنانية، والمطلوب في نهاية المطاف مسألتان: إنقاذ المحاصرين فيها من الفناء، وإعادتها إلى كنف الدولة اللبنانية. وإن كانت المعادلة المطروحة تحول دون معركة طاحنة عليها، فما الذي يجعل موت الشبان فيها أكثر شرفاً من التسوية؟ وما الذي يجعل تسليمها إلى الجيش اللبناني هزيمة أصلاً؟
ربما يكون هذا السؤال أشد إحراجاً لطهران تحديداً. فإن كان محمد باقر قاليباف، الآتي من قلب المؤسسة الأكثر تشدداً في الجمهورية الإسلامية، يتحدث عن الديبلوماسية، وإن كان حسن الخميني يكتشف في الحديبية أن المصالحة أحياناً أثمن من الحروب، فلماذا تكون تلة علي الطاهر استثناء؟ فهل المطلوب أن تقع الواقعة ويسقط عشرات الشبان ومئات الأبرياء، وأن تدخل إسرائيل الأنفاق وتخرج بصور أسرى وجثامين وغنائم، كي نكتشف أن الحل الذي كان ممكناً قبل إراقة الدم أصبح ضرورياً بعدها؟
هذه ليست بطولة. هذه إدارة سيئة للحرب متلطية خلف "الكرامة". ليست الشجاعة أن تقاتل، بل أن تعرف متى "لا تقاتل". وإذا كانت إيران ترى في التفاوض مع الولايات المتحدة تكتيكاً مشروعاً لحماية مصالحها، فمن حقي أن أسألها: هل دماء الإيرانيين غالية حين يكون الميدان إيرانياً، ودماء اللبنانيين رخيصة حين يكون الميدان لبنانياً؟
قبل المذبحة
المفاوضات ليست عقد قران. فصلح الحديبية لم يكن إعلان محبة بين النبي وقريش. والتفاوض على علي الطاهر لا يجعل إسرائيل "جار الرضا"، ولا يلغي عدوانها، ولا يسقط حق لبنان في أرضه. فإن انتهت التسوية بانسحاب إسرائيل وتسليم التلة لـ الجيش اللبناني، يكون لبنان قد استعاد أرضاً من دون أن يقدم أبناءه قرابين لإثبات صلابة أحد. وهنا تحديداً تصبح "حديبية علي الطاهر" أكثر من استعارة. فأين الهزيمة في ذلك؟ الهزيمة أن تتحول التلة إلى "ألامو" جديدة، يقاتل فيها رجال حتى آخر طلقة من أجل "لا شيء".
ربما ينبغي إرسال تسجيل خطاب الخميني إلى صاحب القرار في علي الطاهر. لا حاجة لترجمة، فاللغة مفهومة، والمغزى أوضح من أن يُشرح. ولتكن "حديبية علي الطاهر" لإنقاذ اللبنانيين من حرب أخرى، كي لا نكتشف بعد المقابر والركام، أن التسوية التي قبلناها في النهاية كانت مطروحة منذ البداية.
نبض