الاسم المتداول لخلافة علي لاريجاني... من هو محمد باقر قاليباف؟
مع غياب اسم علي لاريجاني من قلب النظام الإيراني، يبدأ البحث عن اسم جديد. محمد باقر قاليباف يعود إلى الواجهة...
بعد اغتيال علي لاريجاني، سكرتير المجلس الأعلى للأمن القومي والرجل الذي اعتُبر "القائد الفعلي" لإيران خلال المرحلة الانتقالية في آذار/مارس 2026، لم يقتصر المشهد على غياب شخصية محورية، بل فتح الباب أمام إعادة ترتيب موازين القوى داخل النظام.
في هذا الفراغ، يبرز اسم محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الحالي، كأحد أبرز المرشحين لسدّ هذا النقص في القيادة.
والسؤال الذي يُطرح بقوة اليوم: لماذا قاليباف تحديداً؟ وهل هو فعلاً رجل المرحلة القادمة؟
محمد باقر قاليباف (مواليد 1961) هو نموذج نادر داخل النظام الإيراني يجمع بين الخلفية العسكرية والخبرة التنفيذية والوزن السياسي. بدأ مسيرته في الحرس الثوري في سن مبكرة، وبرز كأحد قادته خلال الحرب الإيرانية – العراقية، ثم تولّى لاحقاً قيادة القوة الجوية للحرس (1997–2000) وساهم في تطوير قدراته، بما في ذلك برامج الصواريخ. انتقل من بعدها إلى المجال الأمني كقائد لقوى الأمن الداخلي عام 2000، حيث قاد عملية تحديث الجهاز مع اعتماد مقاربة صارمة في مواجهة الاحتجاجات.
رسّخ صورته كمدير تنفيذي خلال تولّيه رئاسة بلدية طهران (2005–2017)، عبر مشاريع بنى تحتية واسعة، رغم ملاحقته بملفات واتهامات فساد. وهو يشغل منذ عام 2020 منصب رئيس مجلس الشورى الإسلامي، وهو أيضاً عضو في المجلس الأعلى للأمن القومي. باختصار، فهو جنرال سابق، مدير تنفيذي، وسياسي في قلب النظام.
لماذا يُطرح اسم محمد باقر قاليباف الآن؟
طرح اسم قاليباف في هذه اللحظة ليس تفصيلاً، بل يعكس حاجة بنيوية داخل النظام. قاليباف صاحب خبرة مزدوجة يجمع بين المعرفة الأمنية الميدانية والقدرة على إدارة مؤسسات الدولة في أوقات الأزمات.
قربه من مراكز القرار، يُعتبر من الشخصيات التي تحظى بثقة داخل الدوائر العليا، مع تقاطعات قوية مع الحرس الثوري والمؤسسة السياسية.
بعد تعيين مجتبى خامنئي مرشداً، يبرز نقص واضح في الخبرة التنفيذية، ما يجعل محمد باقر قاليباف خياراً لتأمين "الذراع التنفيذية" للنظام، خصوصاً في التنسيق بين الأمن والسياسة وإدارة الملفات الحساسة.

ماذا يمثل محمد باقر قاليباف داخل النظام؟
قاليباف لا يمثل مجرّد شخصية، بل نموذجاً محدداً داخل بنية الحكم. فهو يمثّل التيار المحافظ الجديد وهي فئة تمزج بين الأيديولوجيا والواقعية في إدارة الدولة.
حضور قاليباف امتداد للحرس الثوري، كونه ابن المؤسسة العسكرية، ما يمنحه شرعية داخل الأجهزة الأمنية والعسكرية. هو ليس الأكثر أيديولوجية… بل الأكثر "قابلية للإدارة".
رغم حضوره القوي، لا يمكن اختزال السلطة في إيران بشخص واحد؛ لأن القرار غير فردي ويقوم على توازن بين عدّة مراكز نفوذ.
مثلث السلطة في إيران قوامه المرشد (المؤسسة الدينية)، الحرس الثوري (المؤسسة العسكرية)، والبيروقراطية السياسية (الحكومة والبرلمان)
دور قاليباف ليس "الحاكم"، بل المنسّق التنفيذي الذي يدير التفاعل بين هذه المراكز. كما ان عضويته في المجلس الأعلى للأمن القومي تمنحه تأثيراً مباشراً في صياغة القرار الاستراتيجي، خصوصاً بعد غياب لاريجاني.
في هذا السياق، تتراوح السيناريوهات المرتبطة بصعود محمد باقر قاليباف بين ثلاثة مسارات محتملة. الأول يتمثل في تحوّله إلى القائد الفعلي للنظام، بحيث يدير الدولة عملياً من خلف واجهة قيادة مجتبى خامنئي، ما قد يدفع إيران نحو نموذج أقرب إلى جمهورية أمنية – عسكرية تتقدّم فيها المؤسسة الأمنية على سائر المؤسسات. أما السيناريو الثاني، فيقوم على أن يضطلع قاليباف بدور وظيفي مرحلي، يقتصر على إدارة الأزمة الراهنة وتأمين الانتقال داخل النظام، قبل أن يُعاد توزيع الأدوار بما يتناسب مع توازنات القوى الداخلية. في حين يبقى السيناريو الثالث قائماً على احتمال أن يكون مجرد اسم مؤقت، قد تعرقله معارضة داخلية، لا سيما في ضوء ملفات الفساد التي لاحقته سابقاً، ما قد يحدّ من فرص تثبيته في موقع دائم داخل هرم السلطة.

ماذا يعني محمد باقر قاليباف للمنطقة؟
وجود قاليباف في واجهة القرار يحمل دلالات مباشرة على سلوك إيران الإقليمي، إذ يعكس توجهاً يقوم على الجمع بين الصلابة الأمنية والبراغماتية السياسية. ففي ما يتعلق بلبنان، ينظر إلى حزب الله كجزء لا يتجزأ من منظومة الأمن القومي الإيراني، ويرفض أي تسوية من شأنها إضعاف موقعه، وقد شكّلت زيارته السابقة إلى بيروت وقيادته الطائرة بنفسه رسالة رمزية واضحة في هذا السياق. في المقابل، يميل قاليباف إلى اعتماد استراتيجية "الدفاع الهجومي"، من خلال إدارة الصراع عبر أدوات غير متماثلة، بما في ذلك الضغط على خطوط الملاحة في مضيق هرمز وتفعيل أوراق النفوذ الإقليمي. ومع ذلك، ورغم هذا المنحى المتشدد، يُعرف بقدر من البراغماتية يجعله منفتحاً على تسويات مشروطة، شرط أن تضمن استمرارية النظام وتحافظ على شبكة نفوذه في المنطقة.
قاليباف ليس مجرد اسم مطروح، بل هو وظيفة يبحث عنها النظام في لحظة اضطراب. فهو يشكّل نقطة تقاطع بين الأمن والسياسة والإدارة، ويقف عند مفترق العلاقة بين الحرس الثوري ومؤسسات الدولة. من هنا، لا يعود السؤال الحقيقي محصوراً في ما إذا كان سيصبح رجل القرار، بل يتجاوز ذلك إلى سؤال أعمق: هل تسمح بنية النظام الإيراني أصلاً بظهور "رجل واحد" في هذه المرحلة؟
نبض