حضور الوطن في غياب الدولة
لم يصل لبنان بعد إلى مرحلة المحاسبة. لأن الدول، دول الحق والقانون، لا تقوم إلا على المحاسبة في أداء المسؤولية. هذا يحدث حتى في أميركا حالياً حيث وقف القضاء ضد مشروع دونالد ترامب بهدم جناحٍ كامل في البيت الأبيض في سبيل بناء صالة للاحتفالات تتسع لألف شخص. القضاء قال له إن رأي الكونغرس واجبٌ دستوري وهو لم يراجعه. هذا حدث مع الرجل الذي يظن أنه يسيطر اليوم على العالم. فهناك محكمة قالت له لا. والأمثلة عديدة في الديموقراطيات المشابهة ليس أقلها في فرنسا سجن الرئيس السابق نقولا ساركوزي.
ثلاث قضايا عندنا تدلّ على أن السياسة تداخلت مع القضاء وحالت دون المحاسبة.
- أولها تعامي المسؤولين عن تسليح حزب الله بمختلف أنواع الأسلحة وبناء الخنادق على طول أكثر من أربعين عاماً. وبخاصةٍ في السنوات التي وصل فيها إلى الحكم الفريق الذي وقع مع حزب الله اتفاق مار مخايل. وإلا كيف أصبح حزب الله أقوى من الدولة ومرتبطاً بمرجعيةٍ خارجية يدين لها بالطاعة والولاء؟ هذا يُسأل عنه الذين أغمضوا أعيونهم عن هذا الواقع والذين وافقوا على مقولة: شعب وجيش ومقاومة. وأعطوا حزب الله شرعية القرار قرار الحرب والسلم الذي نتج عنه فيما بعد التحكم بمعظم مفاصل الدولة.
- ثاني هذه القضايا هو الانهيار المالي عام 2019 الذي تسبب بأزمة الودائع.
لأن المسؤولية الأولى في هذه القضية، بالنسبة إلى المودع، تقع على المصارف. فالمودع لا علاقة له بمصرف لبنان ولا بالدولة. إذ على الصعيد القانوني هنالك علاقة أو بالأحرى عقد بين المودع والمصرف، إذ من حق المودع أن يطالب المصرف بوديعته، والمصرف وحده. وحتى الآن لم يتحرك القضاء تجاه أي مصرف لمحاسبته.
وعلى سبيل المثال والمقارنة عندما وقعت الأزمة المالية في الولايات المتحدة عام 2008، تمت ملاحقة أكثر من ١٥٠ شخصاً ومؤسـسة من قبل وكالة الـSEC التي تؤدي وظيفة شرطة الأسواق المالية وحماية المستثمرين.
ونتيجة لذلك دفعت المصارف عشرات مليارات الدولارات في سبيل إقفال ملف الملاحقات الجزائية والمحاكمات التي كانت ستطول، في رأي السلطات الأميركية من دون ضمان النتائج. ولكن المصارف تحملت مسؤوليتها ودفعت حقوق المودعين كاملة.
هذا لم يحصل عندنا ولن يحصل على الأرجح. وها هو الحاكم السابق رياض سلامة المسؤول الأول من دون شك يواجه القضاء وحده لأنه بقيَ حاكماً طوال ثلاثين سنة كاملة منذ سنة 1993 وحتى مغادرته 2023 في واحدة من أطول المهمات المصرفية لأمثاله. علماً أن مسؤولين آخرين في المصرف المركزي والمصارف بصورة عامة يتحملون المسؤولية معاً. إذ من الملفت أن الصمت يسود حول من يتحمل المسؤولية معه. وهنا تتداخل المصالح السياسية بالقضاء. إذ من مصلحة جميع المشاركين الذين استفادوا بشكلٍ أو بآخر من تصرفات الحاكم السابق وتسهيلاته المصرفية على أنواعها، أن تُحصر المسؤولية برياض سلامة وحده، وألا يتكلم أبداً لأن كلامه سيفضح الكثيرين، من دون أن ينفي ذلك المسؤولية الأولى عليه.
- أما القضية الثالثة فهي قضية انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020 التي لم يصدر بعد القرار الاتهامي فيها، رغم أن القاضي العدلي طارق البيطار سلمه إلى النيابة العامة التمييزية. القرار سيصدر لكن التحقيق استغرق وقتاً طويلاً، ولم تكن مهمة القاضي بيطار سهلة إطلاقاً في العراقيل القضائية من جهة وفي تهديدات وفيق صفا من جهة ثانية الذي حضر إلى قصر العدل في أيلول 2021 ووجه رسالة اعتراض وتهديد على إداء القاضي بيطار.
تفجير المرفأ يُحتفل بذكراه الأليمة كل سنة. عندما يقف أهالي الضحايا أمام واجهة ما بقيَ من إهراءات القمح ويبكون ويتذكرون. من المسؤول؟ لا أحداً يعرف. من المسؤول عن ضياع الودائع؟ فمقولة الفجوة المالية اختصرت الظلم وغطت التجهيل: المصارف أودعت أموالها لدى مصرف لبنان، والمصرف أقرضها إلى الدولة. هذا الاختصار يحتاج إلى تدقيق وتفصيلات، مثل ما هي حقيقة العلاقة بين المصارف والمصرف المركزي، وكيف أعطى المصرف المركزي هذه الأموال للدولة، وأين أنفقتها الدولة. هذا الاختصار يحجب المسؤولية. فالجميع مسؤول ما عدا المودع. المودع ضحية، ولكنه ضحية نفسه أولاً، إذ أن اللبناني في الظروف الراهنة أقله، نادراً ما يتمكن من رفع صوته، لأن هنالك الصوت الآخر، صوت الانقسام والتفرقة الصوت الذي وصل إلى حدود مطالبة البعض بالتقسيم. وإلا إزاء هذا الوضع الشديد التعقيد، وضع المواجهة بين أميركا وإيران، وإيران تعتبر لبنان من مجالها لأن مكوناً أساسياً فيه يدين لها بالولاء. وأميركا دونالد ترامب لديه إيران والسعودية والخليج وفينيزويلا وكوبا وروسيا وأوكرانيا والصين... ولبنان. إنه وجد وقتاً ليستقبل الرئيس جوزف عون، ولكنه استقبل بعده بنيامين نتنياهو، وهو حتى الآن لم يضغط بعد بصورة كافية لإيقاف حرب إسرائيل على لبنان، لأن المفاوضات، حسبما رشح من لقاءات روما تعثرت. وذلك بانتظار الانتخابات الأميركية في الخريف وكذلك الانتخابات الإسرائيلية.
لكن لبنان قد قال كلمته. الدولة غائبة ولكن اللبنانيين موجودون ولبنان موجودٌ به. إنه كلمة قيلت، فلبنان كلمة قيلت في البدء. فأساس التكوين متين. فودائع لبنان هي من نوعٍ آخر. وهذه لا يمسها أي ضيم، وأي جوارٍ وأي مرجعيةٍ وأي تدخل. فالطامعون كثيرون، من داخل ومن خارج، لأنه وطنٌ مختلف، أساسه الحرية، التي لم تعش يوماً في أجواء الآخرين من أقربين وأبعدين. لبنان بحاجةٍ إلى الاستمرار في الانفتاح والترحاب لأن تلك هي دعوته، ولكن مع إقفال الأبواب أمام الأيدي العابثة من داخلٍ ومن خارج. وهذا سوف يحصل في وقتٍ قريب.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
هل كان التعثر المالي وراء وفاته؟
نبض