هل أصبح مضيق هرمز ساحة خارجية لصراع داخلي؟

كتاب النهار 13-08-2026 | 05:03

هل أصبح مضيق هرمز ساحة خارجية لصراع داخلي؟

في جوهر المشهد لا يبدو الخلاف بين "إصلاح" و"تشدد" كما قد يبدو ظاهرياً، كل الأجنحة الأساسية داخل النظام تلتقي عند هدف واحد هو الحفاظ على بقاء النظام
هل أصبح مضيق هرمز ساحة خارجية لصراع داخلي؟
محمد باقر خرازي.
Smaller Bigger

لم تكن تصريحات محمد باقر خرازي خلال الأيام الأخيرة مجرّد سجال عابر بين رجل دين مثير للجدل وحكومة مسعود بزشكيان. أهميتها أنها خرجت من داخل البيئة الحوزوية والسياسية القريبة من الدائرة الحاكمة.

 

وكشفت حجم الارتباك في مرحلة ما بعد خامنئي حيث يحاول مجتبى خامنئي تثبيت موقعه فيما تتصارع أجنحة النظام على ملفات الحرب والتفاوض والأمن والشارع.

 

باقر خرازي ليس معارضاً من خارج النظام فهو شخصية حوزوية – سياسية من داخل المنظومة نفسها معروف بقربه من أوساط مرتبطة ببيت خامنئي، ويتزعم ما يُسمّى "حزب الله إيران"، وسبق أن قدّم نفسه صوتاً شديد الولاء لخط ولاية الفقيه.

 

لذلك فإن خطورة كلامه لا تكمن فقط في حدته بل إنه يعكس تصدعات داخل المعسكر الذي يُفترض أنه الأكثر ولاءً وتماسكاً حول القيادة الجديدة.

 

وبحسب المقاطع المتداولة قال خرازي إن مجتبى خامنئي كان موضوعاً خارج المكتب الذي هو داخله، وأنه لو لم يُبعد "لكان قُتل". مثل هذه العبارات حتى لو حاول لاحقاً التراجع عنها أو وصف المقاطع بأنها مجتزأة أو مشوّهة فتحت نافذة نادرة على صراع مكتوم داخل بيت السلطة. فهي توحي بأن مسار تثبيت مجتبى لم يكن سلساً، وأن قوى داخلية في المكتب أو حوله لم تكن تنظر إليه دائماً بوصفه الوريث الطبيعي غير القابل للنقاش. 

 

هنا تصبح تصريحات خرازي أكثر من فضيحة سياسية. فهي تكشف أن الأزمة لا تدور فقط بين حكومة بزشكيان والتيارات المتشدّدة، بل داخل الدائرة التي تحاول صناعة شرعية مجتبى خامنئي.

 

فالرجل الذي أراد الدفاع عن مجتبى انتهى عملياً الى كشف هشاشة موقعه والى الإيحاء بأن طريقه الى رأس السلطة مرّ بصراعات وإقصاءات وخوف من التصفية.

 

لكن خرازي لم يكتفِ بالحديث عن مجتبى. فقد ذهب أبعد في مهاجمة بزشكيان ومسار التفاهمات السياسية والأمنية. وبحسب روايات قريبة من دوائر "الحرس الثوري" نُسب اليه حديث عن تعبئة مئات العناصر من المدن وتحريكها في اتجاه طهران للضغط على الحكومة أو لإسقاطها. هذه النقطة تفسّر جانباً مهماً من رد الفعل الحاد ضده. إذ بدا في نظر مركز القرار أنه تجاوز حدود الاعتراض السياسي الى محاولة تحريك ضغط ميداني خارج السيطرة.

 

لذلك جاء استدعاؤه الى المحكمة الخاصة برجال الدين، وصدرت ضده انتقادات من شخصيات ومراكز قريبة من "الحرس الثوري". الرسالة كانت واضحة يمكن للتيارات المتشدّدة أن تهاجم الحكومة وأن تزايد في الخطاب الثوري، لكنها لا تستطيع كشف أسرار البيت أو تنظيم ضغط شعبوي يهدد توازن السلطة في لحظة حرب وأزمة إقتصادية ومفاوضات حساسة.

 

في جوهر المشهد لا يبدو الخلاف بين "إصلاح" و"تشدد" كما قد يبدو ظاهرياً، كل الأجنحة الأساسية داخل النظام تلتقي عند هدف واحد هو الحفاظ على بقاء النظام.

 

جناح بزشكيان يريد إنقاذه عبر التهدئة النسبية وتفاهمات محدودة وإدارة الأزمة الإقتصادية ومنع إنفجار الداخل. أما الجناح الأكثر تشدداً فيريد إنقاذه عبر التصعيد والقبضة الأمنية ورفض أي تنازل قبل إنتزاع أثمان كبيرة. الخلاف ليس حول مستقبل الشعب الإيراني أو الديموقراطية بل حول الطريقة الأفضل لإطالة عمر نظام ولاية الفقيه. في هذا السياق يبرز دور المجلس الأعلى للأمن القومي، الذي يُشار إليه داخل النظام اختصاراً بـ"شعام".

 

حاول بزشكيان في مقابلاته الأخيرة التأكيد أن القرارات المتعلقة بالتفاهمات والحرب ومضيق هرمز لم تكن قرارات حكومية منفردة. بل صدرت عن هذا المجلس وبموافقة شبه كاملة.

 

وحديثه عن موافقة 12 عضواً من أصل 13 كان رسالة مباشرة إلى خصومه. من يهاجم مسار التفاهم لا يهاجم الحكومة وحدها بل يهاجم مركز القرار الأمني كله. من هنا يجب فهم تعيين محسن رضائي في موقع مركزي داخل "شعام". رضائي ليس مجرّد قائد سابق في "الحرس الثوري"، بل شخصية تحمل تاريخاً عسكرياً طويلاً وعلاقةً وثيقة بمراكز القرار وقرباً واضحاً من مجتبى خامنئي.

 

تعيينه ممثلاً للقيادة في المجلس ثم أميناً له بقرار من بزشكيان يعني أن النظام يبحث عن شخصية تربط بيت خامنئي بالحكومة والمؤسسة العسكرية في لحظة شديدة الحساسية. أما نقل محمد باقر ذو القدر الى موقع مستشار سياسي لمجتبى فيبدو أقرب الى إعادة توزيع أدوار داخل الدائرة الجديدة لا الى إقصاء كامل من السلطة. يدل هذا كله على أن مجتبى خامنئي لا يحكم بعد بقبضة مستقرة تشبه قبضة والده. هو يحاول بناء مركز قوة جديد لكنه يحتاج الى توازنات والى شخصيات عسكرية – أمنية، والى غطاء مؤسسي من "شعام"، والى إظهار علاقة عمل مع بزشكيان.

 

بعبارة أخرى ليس مجتبى زعيماً مطلقاً بعد بل رأس جديد يحاول تثبيت نفسه وسط شبكة من الأجنحة المتنافسة. لا يمكن فصل هذا الصراع الداخلي عن الملفات الخارجية التي تحوّلت أدوات في معركة النفوذ وفي مقدمها مضيق هرمز. فالمضيق لم يعد مجرد ملف ملاحي أو تفاوضي مع عُمان والولايات المتحدة، بل صار اختباراً لمن يمتلك القرار داخل النظام.

 

جناح ادارة الأزمة يريد تحويل هرمز من ورقة حرب الى ثمن سياسي لإنهاء المواجهة، مع تقديم ذلك داخلياً باعتباره تثبيتاً لـ"مكاسب الميدان". أما التيار المتشدّد فيخشى أن يؤدي أي فتح للمضيق أو تخفيف للتصعيد الى خسارة آخر ورقة ضغط في يد النظام.

 

بهذا المعنى أصبح هرمز ساحة خارجية لصراع داخلي. فهل تُستثمر الورقة الآن للحصول على تفاهمات ولتخفيف الضغوط، أما تُترك مشتعلةً لفرض أعلى وأقسى. وهل القرار في يد الحكومة أم "شعام" أم "الحرس الثوري" أم مجتبى أم التيارات التي تريد تحريك الشارع الموالي باسم الولاء؟ ما تكشفه تصريحات خرازي أن النواة الصلبة للسلطة لم تعد كتلة واحدة. هناك نواة أمنية جديدة تحاول إنقاذ النظام ببراغماتية محسوبة ولو بغطاء لغوي ثوري.

 

وهناك تيار حوزوي – إعلامي – شعبوي يرى في أي تفاهم خيانة أو تراجعاً، ويحاول جر السلطة الى مزيد من التصعيد. الصراع بينهما ليس صراعاً بين خير وشر بل بين طريقتين لإنقاذ النظام من السقوط. لذا لا ينبغي أن يُقرأ بزشكيان بوصفه ممثلاً لمشروع تغيير حقيقي. هو في هذه اللحظة جزءٌ من معادلة إدارة الأزمة. ولا ينبغي أيضاً اعتبار رضائي دليلاً على اعتدال جديد. فدوره أقرب إلى عسكرة أكثر تنظيماً لمركز القرار.

 

أما خرازي فلا يمثل ثورة داخلية على النظام، بل جناحاً يريد الدفاع عن النظام بالفوضى والضغط الشعبوي. لكنه كشف من حيث لا يريد حجم الخلل في رأس السلطة. هنا تبرز أهمية الخط الثالث الذي تطرحه "المقاومة الإيرانية المنظمة" هذا إذا سمحت لها التطورات الداخلية الإيرانية والتطورات الاقليمية والتطورات الدولية بالبروز وبالحصول على دور تنتظره منذ سنوات طويلة.

 

 

الأكثر قراءة

دوليات 8/11/2026 10:21:00 PM
حذّر فرانك هوغربيتس من زلزال قوي محتمل في منطقة فرانتشا برومانيا بقوة قد تتراوح بين 7 و7.9 درجات
فن ومشاهير 8/10/2026 8:30:00 AM
مديحة الحمداني تعلن بدايتها الجديدة وتكشف عن زوجها، لتنهي رسمياً التساؤلات حول علاقتها السابقة بالنجم قصي خولي والد طفلها عميد.