2006 – 2026: نهايات مهينة لحروبٍ عبثية
هناك حقيقة لم يعد ممكناً الهروب منها، مهما ارتفعت الشعارات وتبدلت أسماء المعارك. فمنذ 20 عاماً تقريباً، يدخل "حزب الله" الحروب باسم "النصر"، ويخرج منها باتفاقات وقف إطلاق نار تُضيّق عليه أكثر مما كانت عليه الأوضاع قبل الحرب، فيما يخرج لبنان أفقر، وأكثر دماراً، وأقل سيادة، وأشد ارتهاناً للخارج.
ثلاث حروب منفصلة تؤلف قصة واحدة تتكرر، عنوانها سوء تقدير استراتيجي، ونهايتها دائماً أكثر إذلالاً من بدايتها.
تموز 2006: "نصر إلهي" انتهى بـ 1701
في 12 تموز/يوليو 2006، قرر "حزب الله"، من دون العودة إلى الدولة اللبنانية، خطف جنديين إسرائيليين على الحدود. خلال ساعات، وجد لبنان نفسه في حرب شاملة استمرت 33 يوماً، كانت من أعنف الحروب التي شهدها منذ نهاية الحرب الأهلية. رفع الحزب لاحقاً شعار "النصر الإلهي"، لكن، إن كان هذا انتصاراً، فلماذا انتهى بقبول القرار 1701 الذي فرض واقعاً أمنياً جديداً في الجنوب؟

نصّ القرار على وقف الأعمال القتالية، وتعزيز انتشار الجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني، وزيادة عديد قوات الأمم المتحدة، ومنع وجود أي سلاح خارج إطار الدولة في تلك المنطقة، مع إعادة التأكيد على ضرورة نزع سلاح جميع الميليشيات اللبنانية. بمعنى آخر، انتهت الحرب إلى تثبيت المطالب الدولية نفسها التي كان الحزب يرفضها. أما الثمن، فكان كارثياً: قُتل أكثر من 1100 لبناني، معظمهم من المدنيين، وأصيب آلاف آخرون، فيما نزح نحو مليون شخص داخل لبنان خلال أسابيع قليلة. ودُمّرت آلاف المنازل والجسور والطرق ومحطات الكهرباء والمرافئ، وتكبّد الاقتصاد اللبناني خسائر بمليارات الدولارات، فيما احتاج الجنوب سنوات طويلة ليستعيد جزءاً من حياته الطبيعية.
بعد سنوات، أقر الأمين العام الراحل لـ "حزب الله"، حسن نصر الله، بأنه لو كان يعلم أن عملية الأسر ستقود إلى تلك الحرب، لما أقدم عليها. وربما كانت تلك العبارة، أكثر من أي خطاب آخر، اعترافاً ضمنياً بأن الحسابات الاستراتيجية كانت خاطئة.
إسناد غزة: الجنوب يدفع وغزة لا تتغيّر
بعد "طوفان الأقصى" في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، فتح "حزب الله" الجبهة اللبنانية في اليوم التالي تحت شعار "إسناد غزة". لكن بعد أكثر من عام من القتال، لا تحررت غزة، ولا توقفت إسرائيل عن حربها، ولا خرج لبنان منتصراً. على العكس، تحولت قرى الجنوب إلى منطقة منكوبة. قُتل الآلاف بين مقاتلين ومدنيين، ونزح مئات آلاف اللبنانيين، ودُمّرت قرى بكاملها، وخسر الجنوب موسماً زراعياً وسياحياً كاملاً، وتعرضت البنية التحتية والاقتصاد المحلي لضربات قاسية، بينما تعطلت أعمال آلاف المؤسسات والشركات، وازدادت الضغوط على الاقتصاد اللبناني المنهك أصلاً.
وعندما جاء اتفاق وقف الأعمال القتالية، لم يكن بالشروط التي كان الحزب يعلنها في خطاباته، لكنه قبل بترتيبات أعادت التأكيد على حصرية السلاح بيد الدولة جنوب الليطاني، وعلى تعزيز انتشار الجيش اللبناني، فيما احتفظت إسرائيل بوجودها العسكري في خمس نقاط استراتيجية داخل الأراضي اللبنانية، في سابقة لم تكن قائمة قبل الحرب.
أي إن النتيجة العسكرية الفعلية كانت تراجع الوضع اللبناني مقارنة بما كان عليه قبل فتح الجبهة.

إسناد إيران: حربٌ لم تكن حربنا!
ثم جاءت الجولة الثالثة: فجر 2 آذار/مارس 2026، وبعد اغتيال الولايات المتحدة وإسرائيل المرشد الإيراني علي خامنئي، قرر "حزب الله" إطلاق 6 صواريخ نافلة باتجاه إسرائيل. لم يكن لبنان يومها معتدى عليه، ولم تكن أرضه محتلة حديثاً، ولم يكن هناك اعتداء مباشر على الدولة اللبنانية. كانت المعركة مرتبطة بردّ إيراني على تطورات إقليمية، لكن لبنان هو الذي تحول - مرة جديدة - إلى ساحة لتصفية الحسابات.
جاء الرد الإسرائيلي أعنف مما سبقه: تعرضت مناطق واسعة في الجنوب والبقاع والضاحية لضربات كثيفة، وارتفعت أعداد القتلى والجرحى، وتجدد النزوح الجماعي، وتوسعت رقعة الدمار، فيما تراجعت قدرات الحزب العسكرية بصورة غير مسبوقة نتيجة الضربات التي استهدفت قياداته ومراكزه وبنيته العسكرية.
عندما دخل وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، لم يتوقف المشهد عند ذلك: استمرت إسرائيل في تنفيذ الضربات داخل الأراضي اللبنانية بحجة إزالة التهديدات، وأبقت لنفسها هامشاً واسعاً للتحرك العسكري، فيما بقيت قرى حدودية كثيرة مدمرة أو شبه خالية من سكانها، وتحولت أجزاء واسعة من الشريط الحدودي إلى منطقة لا يستطيع أهلها العودة إليها، فيما كان حزب الله يشيّع قتلاه، ووقفت الجنوبيون ينتظرون إعادة إعمار جديدة، وتمويلاً جديداً، وديوناً جديدة.
| البند | حرب تموز 2006 | حرب إسناد غزة 2024 - 2025 | حرب إسناد إيران 2026 |
|---|---|---|---|
| الإطار القانوني | قرار مجلس الأمن 1701. | تفاهم أميركي - فرنسي لتنفيذ 1701 "بنسخة مشددة". | اتفاق/إطار أمني أميركي، لا يكتفي بوقف النار بل يربطه بمناطق عازلة ونزع عملي لسلاح الحزب. |
| وقف النار | وقف الأعمال القتالية: "حزب الله" يوقف هجماته وإسرائيل توقف العمليات الهجومية. | منع "حزب الله" من مهاجمة إسرائيل، ووقف إسرائيل العمليات الهجومية ضد لبنان. | وقف مشروط بـ"توقف كامل" لنيران "حزب الله" وإبعاد عناصره من الجنوب. |
| سلاح حزب الله | النص يفتح الباب لنزع سلاح كل المجموعات المسلحة، لكن التنفيذ بقي غامضاً وضعيفاً. | أوضح كثيراً: لا سلاح جنوب الليطاني إلا للجيش اللبناني، مع ضبط إنتاج واستيراد السلاح. | أشد قسوة: نزع سلاح "حزب الله" شرط عملي لانسحاب إسرائيل من المنطقة الأمنية، بحسب مسار واشنطن. |
| انتشار الجيش اللبناني | انتشار الجيش جنوب الليطاني مع الـ "يونيفيل". | الجيش اللبناني هو القوة الشرعية الوحيدة جنوب الليطاني، مع آلية رقابة دولية. | الجيش يتسلم "مناطق تجريبية" بعد انسحاب إسرائيلي جزئي منها، ويتولى تفكيك بنية الحزب فيها. |
| دور اليونيفيل | مركزي: دعم الجيش ومراقبة وقف الأعمال القتالية. | باقٍ، أضيفت آلية مراقبة برئاسة أميركية وبمشاركة فرنسية. | يتراجع لمصلحة ترتيبات أمنية مباشرة/ثلاثية ورعاية أميركية. |
| الانسحاب الإسرائيلي | مبدأ الانسحاب من جنوب لبنان بالتوازي مع انتشار الجيش واليونيفيل. | الانسحاب لم يكتمل عملياً؛ أبقت إسرائيل خمس نقاط داخل لبنان لاحقاً. | لا انسحاب كاملاً. إسرائيل أبقت منطقة عازلة بعرض 10 كلم، وقالت إن الانسحاب مرتبط بزوال تهديد "حزب الله". |
| الحق في الدفاع عن النفس | موجود ضمنياً في منطق القرار، لكنه أقل تفصيلاً. | منصوص عليه بوضوح: لا يمنع الاتفاق أي طرف من ممارسة "حق الدفاع عن النفس". هذه العبارة فتحت الباب لضربات إسرائيلية لاحقة. | أصبح عملياً حرية عمل إسرائيلية أوسع داخل المنطقة الأمنية بذريعة منع عودة حزب الله. |
| النتيجة السياسية لـ"حزب الله" | خرج بخطاب "النصر الإلهي" لكنه قُيّد بالـ1701. | خرج من حرب استنزاف إلى اتفاق يُعيد حصرية السلاح جنوباً ويمنح إسرائيل نقاط تمركز. | خرج من "إسناد إيران" إلى معادلة أخطر: انسحاب إسرائيل مشروط بنزع سلاحه، والجنوب تحوّل إلى شريط عازل. |
| النقطة الأخطر | ضعف التنفيذ سمح للحزب بإعادة بناء قوته لاحقاً. | الاتفاق أقوى نصاً من 1701، لكنه اصطدم بضعف الدولة وبتمسك إسرائيل بحق الإغارة. | الاتفاق ينقل لبنان من وقف نار إلى هندسة أمنية مفروضة: مناطق منزوعة السلاح، عودة مشروطة، وسيادة لبنانية ناقصة. |
اتفاقات أشد قسوة!
إذا كان يمكن تلخيص مسار الحروب الثلاث بكلمة واحدة، فهي "التدرج". ليس التدرج في تحقيق الإنجازات، بل التدرج في تشديد القيود التي انتهت إليها كل حرب، حتى بات كل اتفاق لوقف إطلاق النار أشد صرامة من سابقه، واشد تقييداً لحركة حزب الله العسكرية.
بعد تموز 2006، شكل القرار 1701 إطاراً دولياً واضحاً لتنظيم الوضع الأمني في جنوب لبنان: نص على وقف الأعمال القتالية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني بمؤازرة الـ "يونيفيل"، ومنع وجود أي سلاح خارج سلطة الدولة في تلك المنطقة، مع إعادة التأكيد على ضرورة نزع سلاح جميع المجموعات المسلحة وفق القرارات الدولية السابقة. ورغم أن حزب الله أعلن يومها "النصر الإلهي"، فإن النتيجة العملية كانت قبوله، عبر الدولة اللبنانية، بترتيبات أمنية لم يكن ليقبل بها قبل الحرب. ضعف تطبيق القرار 1701 سمح للحزب، خلال السنوات التالية، بإعادة بناء جزء كبير من قدراته العسكرية.
حرب "إسناد غزة" غيّرت المعادلة بصورة واضحة: جاء اتفاق وقف الأعمال العدائية في تشرين الثاني/نوفمبر 2024 كآلية تنفيذ أكثر تشدداً للقرار 1701 نفسه: لم يعد المطلوب وقف القتال، إذ صارت الدولة اللبنانية مطالبة بمنع أي نشاط عسكري لحزب الله في جنوب الليطاني، وحصر السلاح بالقوات الشرعية، مع إنشاء آلية رقابة دولية بقيادة الولايات المتحدة ومشاركة فرنسا. وكان التطور الأبرز أن إسرائيل لم تعد إلى خطوط ما قبل الحرب بالكامل، بل أبقت قواتها في خمس نقاط استراتيجية داخل الأراضي اللبنانية، معتبرة أن الانسحاب الكامل مشروط بزوال التهديد الأمني. وهكذا، انتهت الحرب بمنح إسرائيل موطئ قدم داخل لبنان لم تكن تتمتع به قبل اندلاع المواجهات.
أما دخول حزب الله في الحرب دعماً لإيران بعد اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، فقد حمل تحوّلاً أكثر عمقاً: تحول الحديث من تنفيذ القرار 1701 أو تعزيزه، إلى إعادة صياغة البيئة الأمنية في جنوب لبنان. فالإطار الذي تسرّبت ملامحه بعد وقف إطلاق النار لم يعد يكتفي بالمطالبة بإبعاد مقاتلي حزب الله عن الحدود، بل ربط بصورة مباشرة أي انسحاب إسرائيلي كامل بتفكيك البنية العسكرية للحزب، وإنهاء وجوده المسلح في المنطقة الحدودية، مع إبقاء إسرائيل لنفسها حرية التحرك العسكري متى اعتبرت أن تهديداً جديداً قد نشأ. وهكذا، في 2006 كان الاتفاق يقول لحزب الله "اخرج من جنوب الليطاني"؛ في 2024 - 2025، يقول الاتفاق للدولة اللبنانية "امنعي الحزب من العمل المسلح جنوباً". وفي 2026، صار يقول "لن تنسحب إسرائيل ما دام حزب الله مسلحاً". أي إن كل حرب انتهت بسقف أسوأ على الحزب ولبنان معاً.
الأكثر دلالة أن موقع إسرائيل داخل هذه الاتفاقات تغيّر هو الآخر: ففي 2006، كانت مطالبة بالانسحاب مقابل انتشار الجيش اللبناني. وفي 2024، احتفظت لنفسها بوجود عسكري محدود في خمس نقاط استراتيجية. أما بعد حرب 2026، فتتحدث عن منطقة أمنية عازلة، وعن انسحاب مشروط بتحقق متطلبات أمنية تحددها هي، مع استمرار الضربات العسكرية حتى بعد وقف إطلاق النار.

معادلة تتكرر
أثبتت التجارب الثلاث أن المشكلة هي في أصل المعادلة التي تسمح لتنظيم مسلح بأن يحتكر قرار الحرب والسلم خارج مؤسسات الدولة. فلا دولة في العالم تستطيع أن تبني اقتصاداً، أو تجذب استثمارات، أو تحمي حدودها، بينما يستطيع طرف واحد أن يقرر، في ساعات، إدخال ملايين المواطنين في حرب لا رأي لهم فيها، ولا قدرة لهم على منعها.
قد نختلف في السياسة، وفي قراءة الصراع العربي - الإسرائيلي، وفي الموقف من إيران أو الولايات المتحدة، لكن ينبغي ألا نختلف على أن قرار الحرب لا يبقى بيد تنظيم مسلح مرتهن لدولة أجنبية، مهما كانت شعاراته أو تاريخه. فاحتكار الدولة وحدها هذا القرار ليس مطلباً سياسياً لفريق ضد آخر، إنما هو الشرط الأول لقيام أي دولة قابلة للحياة.
بعد ثلاث حروب، وثلاثة اتفاقات لوقف إطلاق النار، وآلاف القتلى، ومئات آلاف النازحين، ومدن وقرى مدمرة، كم حرباً إضافية نحتاج قبل أن نقتنع جميعاً بأن تحويل لبنان إلى منصة لتصفية الحسابات الإقليمية لم يجلب سوى الخراب، للحزب وبئيته قبل اي لبناني آخر. ولعل الدرس الأكبر الذي تفرضه هذه الحروب الثلاث هو أن أي سلاح يبقى خارج سلطة الدولة، وأي قرار بالحرب يبقى خارج المؤسسات الدستورية، سيظل يحمل في داخله احتمال حرب جديدة.
إذا أراد اللبنانيون كسر حلقة تتكرر منذ عقود، لا مناص من استعادة الدولة احتكارها الكامل لقرار الحرب والسلم، ومعه حصرية السلاح وفق آلية وطنية تنسجم مع الدستور والقرارات الدولية، فاستمرار الازدواجية العسكرية لم يعد ينتج ردعاً، إنما ينتج دورات متعاقبة من الدمار، يدفع اللبنانيون ثمنها وحدهم.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
لون الحكمة والهدوء يخطف الأنظار بأناقته
نبض