"اتفاق الإطار" ومسؤولية "حزب الله"
ليس رفض "حزب الله" للمفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل واتفاق الإطار الذي نتج عنها، إلا محاولة للعودة إلى مندرجات مذكرة التفاهم الإيرانية الأميركية، وهي في حد ذاتها إعادة ربط لبنان بالمسار الإيراني، طالما أن أحد بنود التفاهم ينص على وقف النار في كل الجبهات ومن بينها لبنان. لكن مسار إسلام آباد وتفاهم سويسرا لم يتطرقا إلى أي تفاصيل تتعلق بالإنسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان، في الوقت الذي تعمل فيه إسرائيل على الاستفراد بلبنان وتثبيت المناطق الأمنية في الجنوب مستغلة الانقسام اللبناني واصطفافاته.
يعرف "حزب الله" أنه لا يستطيع في ظل الظروف الحالية وموازين القوى واختلال توازن الردع، الانقلاب على اتفاق الإطار، طالما لا يتمكن من إطلاق مقاومة لتحرير الأرض بعد الضربات الذي تعرض لها وتقدم الاحتلال في الميدان، وتفرده في قرار إشعال جبهة الجنوب في إسنادي غزة أولاً، ثم إسناد إيران الذي أدى إلى حرب إسرائيلية مفتوحة على لبنان ودمار ونزوح وكوارث. وفي الواقع أدى تفرد الحزب والضغوط الدولية الهائلة على لبنان والتهديدات باسستمرار الحرب، إلى دفع الدولة اللبنانية لخوض غمار المفاوضات المباشرة، والتي كانت في البداية لوقف الحرب وتخفيف الخسائر على لبنان واللبنانيين.
فنتائج المفاوضات في ظل انقسام لبناني داخلي واصطفافات طائفية أنتجت اتفاق الإطار الذي يُشكّل مرحلة أولى اضطرارية من وجهة نظر الدولة، لكنها قد تفتح الطريق على التفاف وطني ودعم عربي لتحصين لبنان وتحصيل مكاسب لاحقاً لدفع الاحتلال الإسرائيلي للخروج من أرضنا.
الاتفاق الإطاري هو بمثابة إعلان نوايا، فرضت فيه إسرائيل شروطاً صارمة على لبنان وتضع أفخاخاً أمامه، إذ أن الدولة تعرضت لضغوطات خارجية لم يكن في إمكانها تحصيل أكثر من ذلك، خصوصاً وأن العودة إلى اتفاق الهدنة لا تتوافر مقومات لفرضه نظراً لاختلال موازين القوى واستخدام لبنان ساحة لحسابات إقليمية، ولهذا لا يمكن اليوم استمرار ربط مصير الجنوب بمضيق هرمز واستمرار إيران بتحقيق مكاسب على حساب المصلحة اللبنانية، وهي في الوقت ذاته تفاوض الولايات المتحدة بأوراقها، فإذا بـ"حزب الله" يخوض معركته ضد الاتفاق لحساب التفاهم الإيراني بدلاً من التفكير بكيفية مواجهة الاحتلال الإسرائيلي بخلفية وطنية تدعم الدولة وتمنحها كل عناصر القوة لتكون الوحيدة المحتكرة للسلاح وصاحبة قرار الحرب والسلم.
محاولات "حزب الله" تقويض اتفاق الإطار لا تستند إلى تغطية سياسية وطنية لبنانية، وهي تختلف عن مرحلة اتفاق 17 أيار 1983، بعد إطلاق مقاومة وطنية ضد الاحتلال الإسرائيلي، ثم تشكّل جبهة الخلاص الوطني المدعومة من سوريا، وحتى إذا صعّدت إيران ميدانياً من الجنوب عبر "حزب الله"، لإسقاط تفاهمها مع واشنطن، تكون قد كرّست الاحتلال الإسرائيلي وإسقاط الانسحاب التدريجي من المناطق التجريبية التي يصر عليها لبنان، أقله لتجنب عودة الحرب الإسرائيلية وتدمير ما تبقى من مدن في الجنوب.
لا يعبّر اعتراض "حزب الله" على الاتفاق عن موقف مبدئي ضد الاحتلال، بل لأن يبقى شريكاً في معركة إيران التي تستخدم ورقة لبنان لفرض ما تريده في مضيق هرمز، فسلاحه ليس للدفاع عن سيادة لبنان التي يفترض أن تكون الدولة هي صاحبة القرار، تحتكر السلاح وهي الرد الوحيد على محاولة التلاعب بالبلد من أي جهة كانت.
هناك فارق كبير بين مقاومة يدعو إليها "حزب الله" وبين مقاومة وطنية لإخراج الاحتلال لا تأتمر من الخارج. فما يريده الحزب هو استمرار فتح الجبهة ارتباطاً بالنظام الإيراني، فيعزز الانقسام الداخلي ويمنع فرصة استعادة الدولة لقرارها كي تكون دولة غير خاضعة لا لخطر الاحتلال الإسرائيلي ولا للإملاءات الخارجية، وطالما بقي الحزب على سياسته المرتبطة بإيران سيؤدي ذلك حكماً إلى منع الدولة وتكريس عجزها في الدفاع عن سيادة لبنان.
Twitter: @ihaidar62
نبض