ترامب لنتنياهو: أنا ولي أمرك
لم يتورع الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن توبيخ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وإجباره بالقوة على وقف حربه التدميرية على لبنان، وإتاحة الفرصة لتثبيت مذكرة التفاهم مع إيران وإنهاء حالة الحرب بشكل نهائي. "الصديقان الحميمان" تحولا بين ليلة وضحاها إلى "صديقين لدودين"، فرقتهما المصالح والرؤى وبات مستقبل العلاقات الاميركية -الإسرائيلية على المحك، أقله في عهد ترامب الذي لن يقبل أن يشاركه نتنياهو الذي "لولا أميركا ما كانت دولته موجودة" الهيمنة على منطقة الشرق الأوسط. يعود ترامب إلى الحقيقة غير المخفية: إسرائيل محمية أميركية. وواشنطن ليست بحاجة لأخذ رأي رئيس وزرائها بكل شاردة وواردة تتعلق بمصالح أميركا وعلى الأخير أن يعرف حجمه.
كان قيام إسرائيل نتيجة التقاء مصالح بين الحركة الصهيونية وقوى الاستعمار التقليدي، ولا سيما منها فرنسا وبريطانيا، في لحظة تاريخية قلبت العالم وأزالت امبراطوريات وغيرت حدوداً بعد الحرب العالمية الأولى. في تلك اللحظة أعطت بريطانياً رخصة لليهود للهجرة إلى فلسطين واعدة إياهم بها وطناً قومياً باعتبارها أرضاً بلا شعب لشعب بلا أرض. لم يكن صاحب الوعد وزير الخارجية البريطاني آرثور بلفور يحب اليهود ويريد مكافأتهم، بل كان يكرههم ويريد التخلص منهم، فرمى بعبئهم على فلسطين والمنطقة المحيطة بخبث ستظهر الأيام عنفه.
وللإنصاف لم يكن بلفور وحده المسؤول عن الكارثة التي حلت بالفلسطينيين ومعها منطقة الشرق الأوسط برمتها، فأوروبا كلها كانت تريد التخلص من اليهود الذين كانوا يعتبرون مشكلة اجتماعية ودينية واقتصادية وسياسية، في ظل موجة كراهية متبادلة بينهم وبين المسيحيين امتدت طوال قرون لتبلغ ذروتها في الحرب العالمية الثانية عندما قضى الزعيم النازي أدولف هتلر على أعداد كبيرة منهم.
على أنقاض الاستعمار المباشر بعد الحرب العالمية الثانية، تزعمت الولايات المتحدة العالم الغربي وتولت دور الأب الراعي للكيان الوليد الذي ظل أيضاً يحظى بالدم الأوروبي، تكفيراً عن "عقدة ذنب" وهمية عملت الدعاية الصهيونية على زرعها في عقول الأوروبيين الذين انقادوا شعوباً وحكومات وراء السردية الصهيونية المخادعة عن المظلومية التاريخية في أوروبا، ولاحقاً عن حالة الكراهية التي يكنها العرب والمسلمون لهم وسعيهم لإبادتهم ورميهم في البحر، مستغلين تصريحات ومواقف لزعماء واحزاب عربية تبنوا خطاباً تحريرياً متشدداً ضد الاحتلال الإسرائيلي لأرض فلسطين.
دعمت الولايات المتحدة إسرائيل بالمال والسلاح بشكل دائم وأقامت معها جسوراً جوية وسيرت أساطيل لحمايتها ومدها بأفتك أنواع الأسلحة أثناء حروبها مع العرب، وحمتها في مجلس الامن مستخدمة الفيتو ضد أي قرار ضدها، وحاربت من أجلها محكمة الجنايات الدولية ومحكمة العدل ومنظمات حقوق الإنسان. ورغم أن لا رئيس أميركياً شذّ عن اعتبار إسرائيل قاعدة أو حتى ولاية أميركية، شهدت العلاقات بين البلدين توترات عديدة عائدة بمجملها إلى اختلاف الرؤية إلى السلام في المنطقة وعدم تجاوب الحكومات الإسرائيلية مع المخططات الأميركية في هذا الشأن.
التوتر الاول في العلاقات بين البلدين حصل أثناء العدوان الثلاثي على مصر بعد تأميم قناة السويس عام 1956واحتلال شبه جزيرة سيناء، إذ أجبر الرئيس الأميركي دوايت اأزنهاور إسرائيل على الانسحاب، ولأسباب تتعلق بفرنسا وبريطانيا شريكتي إسرائيل في العدوان، مهدداً بقطع المساعدات عنها.
ضغط الرئيس جيرالد فورد عام 1975 على إسرائيل للانسحاب من سيناء التي احتلتها في حرب حزيران يونيو 1967 لكنها لم تستجب لضغوطه إلى أن وقّعت مع مصر اتفاق كامب ديفيد في عهد الرئيس جيمي كارتر عام 1979. ستحتج الولايات المتحدة بعد ذلك على قصف المفاعل النووي العراقي عام 1981 وعلى قصف بيروت في اجتياح 1982 وعلى زيادة الاستيطان في الضفة الغربية، وسيجبر جورج بوش الأب رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق شامير على الذهاب إلى مؤتمر مدريد للسلام، وستفرض الادارة الأميركية اتفاقات أوسلو على إسرائيل وعلى الفلسطينيين... لكن كل تلك التوترات لم تستطع أن تلجم الحكومات الإسرائيلية عن المضي في حروبها ومخططات التهويد في الأراضي الفلسطينية، وعن ضم القدس والجولان والحصول على اعتراف واشنطن بهما في عهد دونالد ترامب الذي اعتبره نتنياهو الصديق الأوفى لإسرائيل.
رغم الدعم غير المحدود الذي قدمه ترامب إلى إسرائيل اصطدم أكثر من مرة بنتنياهو. كان الأخير يتصرف دائماً باعتباره الرجل القوي في الشرق الأوسط وفي أميركا أيضاً. كان عنيداً ومتغطرساً ودموياً وبلا أفق سياسي واضح لحروبه في غزة ولبنان وإيران. رجل مهووس بالحرب في مقابل رجل مهووس بالصفقات، رجل يخاف على مستقبله السياسي والقضائي في مقابل رجل منته بانتهاء ولايته الرئاسية الثانية.
دعمت الإدارة الاميركية الحرب على غزة لكن ترامب احتجّ اكثرمن مرة على الاستهداف الإجرامي للمدنيين، واختلف مع نتنياهو على "اليوم التالي" ولم تسهل إسرائيل خطة واشنطن لإدارة القطاع لا بل عرقلتها.
الا أن الخلاف الأبرز كان حول الاتفاق مع إيران وعلى الجبهة اللبنانية التي يرى ترامب أن نتنياهو بالغ كثيراً في إحداث الدمار فيها. ففيما انخرط ترامب في مفاوضات شاقة للوصول إلى مذكرة التفاهم، كان نتياهو يمني النفس بفشل الوساطات والعودة إلى الحرب حتى لو تحولت حرباً عالمية.
تحول نتنياهو في نظر ترامب من "صديق طيب" إلى "مجنون" مهووس بالحرب يريد أن يعرقل الصفقة الاميركية- الإيرانية التي يعتبر ترامب أن أقصى طموحه فيها منع إيران من امتلاك سلاح نووي وفتح مضيق هرمز الذي تسببت الحرب على إيران بإغلاقه. لا يهتم نتنياهو كثيراً باستطلاعات الرأي الأميركية ولا بالتحولات في الرأي العام الأميركي والعالمي. منطق الحرب غالب لديه وفيه خلاصه السياسي بعدما ورط حليفه بحربٍ أضرت بمصالحه وسمعته. لكن ترامب "المتهور" حسبها أخيراً بميزان المصالح الأميركية الحالية والمستقبلية وهو بالتأكيد سيعرف كيف يصالح نتنياهو بـ"هدية" هنا أو هناك. وستبقى إسرائيل قاعدة أميركية في الشرق الأوسط وستبقى إيران حاجة أميركية أيضاً.
نبض