مضيق الغرائز

كتاب النهار 02-06-2026 | 05:05
مضيق الغرائز
إذا كان العالم اليوم عالقا في حلق مضيق هرمز فإن اللبنانيين كلهم عالقون في مضيق الغرائز وعمى البصيرة
مضيق الغرائز
مضيق هرمز.
Smaller Bigger

"الحضارات تموت بالانتحار لا بالقتل"
أرنولد توينبي

معظم الشعب اللبناني يتابع النشرات، متسقّطا أخبار الحرب وأحوال السفن في مضيق هرمز، وآخرَ النشرات الجوية عن اقتراب التسوية أو ابتعادها بين أميركا وإيران. ولكن تلك المتابعة لا تورث إلا الحَيْرَة بين تصريحات دونالد ترامب "المُقْبِلة - الـمُدْبِرة معًا" كحصان امرئ القيس، ومواقف القادة الإيرانيين الذين يصرون على فرض شروط "انتصارهم التاريخي الافتراضي" على العدوان الأميركي - الإسرائيلي. وفي خلفية هذه المشاهد، يظل الموقف الباكستاني على رصانته ودأبه في مسعى عقد الاتفاق وإحلال سلام- قد يبدو قريبا- على قواعد وقف التخصيب ونقل المخصب وفتح المضيق وفك الحصار، وتسييل الأرصدة المجمدة، في حين دخلت إلى عالم الغموض، مسألة الاختراق الإيراني لدول المنطقة، بما يسمى الأذرع. لكن ذلك الغموض اخترقه اتصال هاتفي من وزير الخارجية  الإيراني بالأمين العام لـ"حزب الله"، أكد فيه أن وقف إطلاق  النار في لبنان بند أساس في المحاثات مع أميركا، فجاء رد الفعل من الشيخ نعيم قاسم فوريًا، وأعلن عزمه على إسقاط الحكومة في الشارع، وبشرنا بدنو زوال إسرائيل.

لكن وزير الخارجية الأميركية كان له بالمرصاد، فرد على الكلام بكلام أشد، فيما أوعز نتنياهو إلى جيشه بتصعيد الحملة العسكرية الهمجية، فكأني بالسيد عراقجي قد حرر شيكا بلا مؤونة، بالغ الشيخ نعيم في تقدير ملاءة الرصيد، فأوقع وجلا في نفوس اللبنانيين من احتمال الفوضى الحكومية والشارعية، لولا أن الرئيس نبيه بري أعلن عدم الموافقة على الذهاب إلى مثل تلك الفوضى، مؤكدا التمسك بالحكومة ودوام التواصل مع رئيس الجمهورية وأنه لا يوافق على كلام الشيخ نعيم ولم يُرِحْه.

من أسف، أن لبنان يظل ساحة قتال مستدام، يتحمل أهله الدمار والتشريد والتجويع،  والذل،  والخوف، فيما لا يمارس سياسيوه ونُخَبُهُ  أيّ دور علاجي أو وقائي، بل هم عاجزون عن أن يفسروا للمواطنين مخاطر تشابك المصالح الإقليمية والدولية التي ترمي نفاياتها على أرضنا، ولا يحاولون دعوة الناس إلى موقف يدرأ الأخطار المتلاحقة، ويشكل حالة وطنية واعية صالحة لمداواة الجراح وطمر الركام واستعادة القيمة الإنسانية للهوية اللبنانية.