التفاهم الذي قد يُطيح المكاسب التكتية
لم يرَ البعض في "أمر اليوم" الذي أصدره قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل في مناسبة "عيد المقاومة والتحرير"، تلك الضرورة التي تحتم صدوره تماماً كما لم تكن زيارة قائد الجيش الى واشنطن بعد تأجيلها بالإلحاح الذي يضطره الى القيام بها، في ظل ما انتهت اليه تلك الزيارة آنذاك في بعض جوانبها على الأقل. فالمناسبة باتت ملتبسة الى حدٍ كبير بعد توغلٍ إسرائيلي متجدد في الأرض اللبنانية وتحميل الدولة على لسان مسؤوليها الكبار "المقاومة" تبعة جرّ لبنان الى حرب لم يردها متسببةً بأكلافٍ باهظة على مستويات متعددة .
راعت الحكومة على الأرجح عدم اللعب بجرحٍ نازف، ولكن المراعاة لا ينبغي أن تحصل لفريق بمقدار ما ينبغي الحرص على تبعات قرارات الدولة وتداعياتها وكيفية الرؤية لها من داخل أو من خارج كذلك. وهذه النقطة الأخيرة غدت بالغة الأهمية وتحت المراقبة الدقيقة إزاء ما يطلبه لبنان من الخارج، وما يقابل به الأخير هذه الطلبات والتجاوب معها. فيما أن على أركان السلطة في لبنان وصولاً الى قيادة الجيش التي تقع عليها مهمات كبيرة في هذه المرحلة، تجنب ما يمكن تجنبه من حيث مراكمة الملاحظات السلبية أو إثارتها، وقد بات هناك الكثير منها في الآونة الأخيرة.

فهناك "لوبيات" لبنانية في العاصمة الاميركية مؤثرة وفاعلة وقريبة من دوائر القرار الاميركي، تجد الآن فرصة في ظل رئاسة الرئيس دونالد ترامب قد لا تتكرر من أجل تحصيل استقلال لبنان واستعادة سيادته من إيران كما من إسرائيل في الدرجة الثانية، حتى لو لا يحب كثر اعتبار إسرائيل خطراً أقل من إيران، وتعمل بقوة من أجل استخدام واشنطن نفوذها في "المومنتوم" الراهن من أجل ذلك ومعاقبة من تراه معرقلاً للوصول الى لبنانٍ آخر.
القرار الأميركي الذي طاول السفير الايراني غير المرغوب فيه من السلطات اللبنانية رضا شيباني، والذي يبقى في العاصمة اللبنانية بناء على إصرار الثنائي الشيعي، يحسم الجدل لمصلحة الدولة اللبنانية واضعاً نهايةً لاحتمال المساومة التي يمكن أن يلجأ اليها الثنائي لتحصيل مكاسب له. والقرار الاميركي الذي طاول عنصرين من محيط رئيس مجلس النواب نبيه بري استدعى بياناً أصدرته حركة "أمل" إستهجاناً وإدانة، فيما لا بيان يصدر من أي مستوى كان إدانةً أو استنكاراً لحرب إسناد غزة. فحرب إسناد إيران ذهبت، على حدّ ما ينقل عن بري، بكل جهود اعمار الجنوب التي قام بها مدى أكثر من 40 عاماً.
وفيما أيضاً يضن على رئيس الجمهورية العماد جوزف عون والحكومة بموقفٍ داعم للمفاوضات المباشرة، بما يضمن وحدة المؤسسات التي يقول إنه يحميها على رغم أنه كان منح عون هذا الدعم بعيداً من الاعلام . والقرار الاميركي الذي طاول ضابطين رفيعي المستوى في مخابرات الجيش والأمن العام يُعبّر عما كان ولا يزال يعتمل فعلاً في أروقة الادارة الاميركية وفي الكونغرس الاميركي.
وقد بذل سفراء أميركيون كثر خدموا في لبنان جهوداً جادة وجدية وحتى جبارة أحياناً للابقاء على دعمٍ مادي وعسكري للجيش في ميزان المفاضلة بين ترك لبنان لمصيره وتالياً لايران، أو مساعدته على الخروج من الاسترهان الذي باتت فرصته متاحة أكثر من أي وقت مضى، بقطع النظر عن الرسائل العلنية والمطلوب تعميمها والتي يوجهها وزير الخارجية الايراني الى الحزب طمأنة له الى أنه ليس متروكاً من إيران، في سعيها الى ضمان تفاهم بينها وبين الولايات المتحدة الأميركية.
فيما أنّ قرار العقوبات الأميركي الأخير يشي جملة رسائل ليس أقلها أن دينامية التعاطي مع الحزب ومع الحرب في لبنان مختلفة، وفق ما أظهرت الأسابيع الأخيرة، على رغم عدم اقتناع الحزب أو عدم رغبته في الإقتناع طمعاً بضمان استمرار سلاحه وتالياً نفوذه. في حين أن إسرائيل بقيادة بنيامين نتنياهو، وخصوصاً إذا كان التفاهم الاميركي- الايراني غير ملائم لها ولمصالحها، ستجد أو تبحث عن التعويض في لبنان بتحصيل ما يمكنها احتلالها لـجنوب لبنان وسيطرتها على قراه، لفرض نزع سلاح الحزب قبل انسحابها من لبنان وخصوصاً قبل أشهر من الانتخابات في إسرائيل.
السؤال الأبرز في ظل التفاهم الايراني- الاميركي الذي لاحت طلائعه في الساعات الأخيرة، إذا كان تعزيز موقع لبنان التفاوضي وفق ما رأى البعض في العقوبات التي طاولت أهدافاً اعتبرت واشنطن أنها تعزز موقع الحزب، بدده أو يمكن أن يبدده تفاهم يفيد بأن جبهة الحرب في لبنان سيشملها هذا التفاهم واعتبار إيران أنها في موقع المنتصر، وهي من أملى شروطه على الولايات المتحدة حتى من خلال هدنة 60 يوماً يتبدد خلالها الكثير من الضغوط، ما قد لا يساعد موقع الدولة أو يسهل مهماتها على غير الدينامية المرغوب فيها عبر العقوبات في تأكيد فصل لبنان عن إيران. فقرار العقوبات الذي يأتي بمفاعيل تكتية سيكون بلا مفاعيل أمام مفاعيل على مستوى استراتيجي بالنسبة الى انعكاس المكاسب الايرانية من خلال التفاهم. وتالياً، فإن الخشبة تتعاظم من عرقلة كل المسار التفاوضي اللبناني وربما أيضاً وقفه.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
هل تستضيف برلين مجدداً بطلب من جهة محايدة مفاوضات غير مباشرة بعيدة عن الاضواء بين "حزب الله" وايران واسرائيل للتفاهم على انهاء حال الحرب بينها على غرار مفاوضات العام 2000 التي أدت الى إنهاء الاحتلال للجنوب في آيار من العام المذكور .
نبض