حكومة لبنان تفتقر إلى الصلاحية وقوة التنفيذ ومناهضو "الحزب" مفكّكون ومتنافسون
تتسم اللحظة الديبلوماسية الراهنة بتعقيد استثنائي في رأي باحث أميركي كبير في مركز أبحاث في واشنطن، إذ تجري في آن واحد ثلاثة مسارات متمايزة. حوار أميركي - إيراني مباشر على أعلى المستويات لم يُشهد له مثيل منذ قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية قبل 47 عاماً، ومبادرة مجلس السلام الأميركية في غزة، ومفاوضات تقليدية تقودها وزارة الخارجية الأميركية بين مسؤولين إسرائيليين ولبنانيين في واشنطن. وما يترتب على هذه المسارات مجتمعةً يتجاوز القدرة على الوصف. فثمة مصلحة أميركية عمرها أكثر من قرنين في حرية الملاحة، وجهدٌ متواصل على مدى ثلاثة عقود لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، وهدف لفك لبنان عن قبضة طهران، وآخر لتفكيك "حماس" وإزاحتها عن حكم غزة.
وعلى الصعيد السياسي الداخلي الأميركي، تمتد تداعيات هذه الديبلوماسية لتطال مستقبل حركة "ماغا" والتحولات في صفوف الحزب الديموقراطي، ومجريات انتخابات التجديد النصفي للسلطة التشريعية، والمسار المقلق للعلاقات الأميركية - الإسرائيلية.
يتابع هذه المشاهد من كثب شركاء الخليج وحلفاء أوروبا والمنافسون على حد سواء، ولكل منهم حصته في ما ستؤول إليه واشنطن. فعلى الصعيد العسكري، أدت القوات الأميركية مهماتها بكفاية واحتراف لافتين. وإن وُجدت فجوات بين الأهداف والوسائل والنتائج فمردها إلى ضبابية الأهداف لا التقصير في التنفيذ. ففي مضيق هرمز، يتمتع الأسطول الأميركي بتفوّق راسخ، وقد يشكّل الحصار أداةً ضاغطة وفعّالة لانتزاع تغييرات في السلوك الإيراني. لم تتناول وسائل الإعلام الملف النووي في محادثات إيران بالوضوح الكافي، ويصعّب ذلك تقييم الخيارات التي تتبناها إدارة ترامب. غير أن منطق الحوافز المقدّمة إلى طهران لا لبس فيه. فإذا قدّمت تعهداً دائماً وقابلاً للتحقّق بوقف تخصيب اليورانيوم وإرسال مخزونه إلى الخارج، استحقت خفضاً جوهرياً للعقوبات. أما الصفقات الأضيق فتقابلها مكافآت أقل.
وفي غزة تحقّقت مكاسب عسكرية بارزة، لكن "حماس" لا تزال تُمسك بأربعين في المئة من القطاع. والثغرة الكبرى في الإستراتيجية المناهضة لها تتمثل في غياب البديل السياسي والعسكري. إذ لا تمويل له ولا دعم ولا تمكين. ولا بديل من الإسراع في تأليف حكومة تكنوقراط وإشراك السلطة الوطنية فيها إشراكاً حقيقياً، وتأهيل قوات أمنية محلية، وهي أولويات لا يمكن تأجيلها.
وفي لبنان، تلقّى "حزب الله" ضربة موجعة لكنه لم يُنهك بعد، وثمة سقف موضوعي للعمليات العسكرية الإسرائيلية في غياب أيّ نية لاحتلال البلاد. والأمل المنشود هو أن يبلغ إضعاف "الحزب" حداً يجعل الدولة اللبنانية وجيشها راغبين فعلياً في الوفاء بالتزامهما نزع السلاح. ومن أبرز ما أنجزته الديبلوماسية الأخيرة فصل غير مسبوق بين لبنان وإيران. إذ رفضت واشنطن إدراج لبنان في اتفاق وقف النار مع طهران، فيما رفضت بيروت إملاءات "حزب الله" بالانسحاب من المفاوضات مع إسرائيل.
لكن ثمة خيطاً يجمع المسارات الثلاثة، هو مشكلة "الطرف الثالث المغيّب". فمستقبل الشعب الإيراني كان في صدارة الأهداف المُعلنة عند تعريف أغراض الحرب، لكنه تراجع عن طاولة المفاوضات. وفي غزة غاب البديل عن "حماس" غياباً شبه تام عن المفاوضات الأخيرة. وفي لبنان يفتقر مسار إسرائيل - لبنان حتى الآن إلى تصريح مشترك وصريح بمصلحة الطرفين في نزع سلاح "حزب الله".

على السياسة الأميركية معالجة هذه الثُغر حتى لو اقتضى ذلك العمل خارج الأطر التفاوضية الرسمية. في المحصلة، الصبر رصيد إستراتيجي لا يُستهان به. فـ47 عاماً من الصراع الأميركي - الإيراني لا يمكن طيها في 21 ساعة تفاوض. والمعطيات الراهنة تصب في مصلحة أميركا شرط أن تُعطى الديبلوماسية مداها الطبيعي. كذلك يجب الإفراج عن الوهم الشائع القائل بأن الضغط العسكري والديبلوماسية ضدان لا يلتقيان. فالحقيقة أنهما في الغالب متكاملان لا متناقضان. والضبط السياسي والاقتصادي والعسكري عند الإقتضاء ليس نقيض الديبلوماسية، بل أحد أعمدتها.
ما رأي باحثة أميركية جدية من أصول عربية في المفاوضات الجارية بين لبنان وإسرائيل؟ تمثّل هذه المفاوضات في رأيها انتصاراً حقيقياً لسيادة لبنان. فطهران عجزت عن ثني بيروت عن التفاوض باسمها، فيما وجد "حزب الله" و"الحرس الثوري" نفسيهما ضعيفين وعاجزين عن ترجمة عملياتهما العسكرية نفوذاً سياسياً. الأهم من ذلك أن المفاوضات لم تقابلها موجة احتجاجات شعبية ولا تصعيد من "حزب الله" إلا أخيراً.
يشير ذلك إلى أن حلفاءه الشيعة وفي مقدمهم رئيس مجلس النواب نبيه بري زعيم "أمل"، قد يكونون يعيدون حساباتهم إزاء المفاوضات، ولا سيما بعدما طالت الغارات الإسرائيلية عناصر "أمل" في بيروت قبل مدة قصيرة. فبري كان حتى وقت قريب العقبة الرئيسية في وجه أيّ تواصل مع إسرائيل، إذ استخدم كل ثقله لتعطيل المفاوضات رغم دعوات الرئيس جوزف عون إلى محادثات مباشرة. ومنذ الضربات التي طالت بيروت لم يبدِ اعتراضاً علنياً.
جاء لبنان وإسرائيل إلى المفاوضات بأولويات متباينة، وقف النار من جهة ونزع السلاح من جهة أخرى. غير أنهما يلتقيان على هدف واحد هو السلام. وحقيقة أنهما يتحاوران برعاية أميركية وبصورة مباشرة وبدافع مشترك نحو السلام، تعطي التفاؤل مساحةً. لكن الأطراف كلهم مطالبون بفهم أن وقف إطلاق النار ونزع التسليح وجهان لعملة واحدة. فبقاء سلاح الحزب معناه عودة حتمية للحرب. والجيش اللبناني هو الجهة الوحيدة المؤهلة لإنجاز هذه المهمة. لكن إداءه حتى الآن لم يكسبه ثقة إسرائيل، لذا عليه اتخاذ خطوات ملموسة لبناء الثقة والتقيّد بجداول زمنية واضحة يمكن ربطها بمراحل وقف النار.
أما "حزب الله" فيبقى عصب قوته الداخلية متمثلاً في نفوذه المالي والاجتماعي رغم تراجعه العسكري. وأي تخفيف للعقوبات عن إيران قد يدفعها إلى ضخ الأموال في شرايين الحزب. فـ"الحرس الثوري" لا يزال يدير عملياته من الداخل. والحد من هذا الخطر يقتضي إرفاق أي مساعدات دولية برقابة مشددة ومتابعة صارمة. مطلوب من الدولة اللبنانية تقليص تغلغل "حزب الله" في أجهزتها. ومطلوب من واشنطن استخدام العقوبات ورقة ضاغطة للحد من سيطرة الحزب على المؤسسات الحكومية وقنوات المساعدات وتجفيف شبكاته المالية. أما المجتمع الشيعي في الجنوب فيعيش تناقضاً بين ولاءاته. فثقته بالحزب تآكلت وهو يواصل مع الحاضنة الشعبية الشيعية النزف في ظل استمرار العمليات العسكرية. الشعب يريد قيادة قادرة وحازمة. لكن الحكومة الحالية تفتقر إلى الصلاحية وقوة التنفيذ، والقوى الشعبية المناهضة للحزب مفككة ومتنافسة على الفراغ".
نبض