صحافة لبنان... ساحة الحرية ومعنى بيروت

13 شباط 2019 | 05:08

المصدر: "النهار"

مكاتب جريدة "النهار" في سوق الطويلة فوق مطعم "العجمي" في الأربعينات من القرن الماضي.

مع كتابة هذه السطور تكون الصحافة اللبنانية قد بلغت المئة والستين عاماً من عمرها، تاريخ إصدار "حديقة الأخبار"، أول صحيفة لبنانية أصدرها خليل جبرائيل الخوري العام 1858. بيروت خرّجت ومنذ العهد العثماني صحافيين يستطيعون العمل في أيّ مكان؛ وتقول الكاتبة ليلى حمدون، في استعراضها الصحف العربية التي صدرت في ذلك العهد: "نجد أن أغلبها صدر عن لبنانيين أو كان للبنانيين فضل في إصدارها، كالكونت رشيد الدحداح الذي أصدر جريدة "برجيس باريس" عام 1858، وأحمد فارس الشدياق الذي أصدر "الجوائب" في إسطنبول عام 1860".

الناس يذكرون القول المأثور لشارل حلو مرحّباً بناشري الصحف: "أهلاً بكم في وطنكم الثاني لبنان". فصحافتنا اللبنانية كان لها أثر بالغ في الدول العربية حيث كان معظم الحكام يتابعونها، وكان صحافيون لبنانيون يحتلون مراكز مرموقة في صحفها. ويضاف إلى هؤلاء الصحافيون اللبنانيون الذين أنشأوا مؤسسات لهم في الدول العربية. وما كان ذلك ليحصل لولا الكفاءة المهنية التي راكمها الإعلام اللبناني والمواهب التي جمعها.

أثمان الحرية واللبنانيون المعاندون

للصحافة دورها البارز ووقعها الجلي في الحياة السياسية للبنان، فاللبنانيون ينظرون، منذ القدم، إلى بلدهم وكأنّه ساحة حبرٍ لا ضوابط لها ورسولية مفتوحة على العالم، تربك الأوطان الأخرى، لا سيما المحيط العربي الغارق بأنظمته القمعية. وفي سبيل الصحافة والكلمة الحرّة دفع الصحافيّون اللبنانيون أثماناً باهظةً، ومع كل عملية اغتيال لصحافي هنا وكاتبة هناك، كانت بيروت في كل ما تمثّله من حرية تعبير، هي الهدف. إنهم اللبنانيون من تلك الفصيلة المعاندة في حريّة اللسان والحبر حتّى ولو أدمنوا الحروب والنزاعات في ما بينهم عبر التاريخ. إنّها الحريّة الملازمة لتاريخ لبنان، النقطة المضيئة فوق بيضاوية البحر المتوسط. فكانت الصحافة اللبنانية وعلى مدى عقود، محط إعجاب وتقدير بصفتها الصحافة الأكثر حرية، والأكثر جرأة، والأكثر ثقافة في العالم العربي الخاضع لرقابة مشددة.

كان لجمال باشا، الملقّب بـ"الجزّار" عار افتتاح "حملة قمع الرأي والتعبير والفكر الحرّ، والقضاء على أقلام الصحافيين"، واقترف مجزرته بحق عدد من الشهداء في الساحة التي تحمل اليوم اسمهم. لم يكن في لبنان جمال باشا واحد، فمع كل عصر كان يتمثّل... من محمد المحمصاني، وعبد الكريم الخليل، ونورالدين القاضي، وسعيد فاضل عقل، وعمر حمد، وعبد الغني العريسي، وجرجي حداد، ونسيب المتني، وكامل مروة، ورياض طه وغيرهم، إلى سمير قصير، وجبران تويني عام 2005. ولأن القمع لا ينفع، ولأن الدماء التي تسيل تزهر في نفوس من بقوا، تحوّلت ساحة الشهداء إلى ساحة تحتضن الراغبين بالتعبير عن هواجسهم ومطالبهم وآرائهم.

شهداء الصحافة.

في هذا السياق، لا بدّ من تذكّر تعريف "عملاق الصحافة العربية" و"عميد الصحافة اللبنانية"، غسان تويني للصحافة: "فهي رواية الحق حتى يُعرَف. والشهادة بما حصل حتى الاستشهاد، ومحاولة إعلان ما سيحدث والتبشير به في ضوء تفسير ما هو حادث وإن أُنكر. بل أكثر. ماذا يبرر وجود الصحافة غير الرسالة؟ مأساة هذه الرسالة، رسالة الصحافة، أنها إنسانية كلها، لا ألوهة تشتريها فتخلد، قدرها أن تصارع التاريخ ساعات ودقائق لا أجيالاً وعصوراً. تموت كل يوم، كلما جفّ دمها الأسود على الورق الأبيض. وكثيراً ما تُصلَب قبل صياح الديك فيَصفرّ الورق ولا يبقى يُقرأ وبالكاد يُرى". ذاك، أن "الصحافة توجد حيث الحرية. بل الصحافة توجِد الحرية. ولكن مظهر الحرية الأول يظل الرأي العام". هذه الصرخة تقتضب هذه المعركة، حيث الشعب يمثّل كل التوّاقين إلى التحرر، والانتهاء من القمع والاستبداد. هذا الفكر والصرخة ليسا بعيديَن عن جبران الجدّ، مؤسس "النهار" الذي شارك في النهضة، وأدّى أدواراً مهمة خلالها. فمن النهضة خرجت "النهار"، لتكون جريدتها، ولتدوّي على صفحاتها صرخة العيش بحريّة.

غسان التويني في مكاتب جريدة "النهار" في الحمراء.

غسان تويني يقبل سعيد فريحة وإلى جانبهما من اليسار رياض طاهة وخليل تقي الدين والى اليمني زياد الرحباني.

بيروت مطبعة الشرق

ولا عجب أن تكون بيروت ولبنان مطبعة الشرق، طالما أن دير مار أنطونيوس قزحيا في وادي قنوبين قد شهد سنة 1610م نشوء المطبعة الأولى في الشرق، والتي استخدمت الحرف السرياني وطُبع فيها كتاب "مزامير داود" بالسريانيّة والكرشونيّة (الكرشونيّة هي السريانيّة المكتوبة بالحرف العربي). وفي دير القديس مار يوحنا الصابغ في الخنشارة تأسست المطبعة العربيّة الأولى في الشرق، والتي استخدمت الحرف العربي عام 1733م، أما في عام 1751م فتأسست في بيروت أول مطبعة بواسطة الشيخ يونس نقولا الجبيلي، وهي مطبعة القديس جاورجيوس.

ضراب الأفران في بيروت بطلب من الأتحاد العمالي العام 1966-11-30 ومطبعة الاهرام في خلفية الصورة.

المطبعة الأولى في العالم العربي - قزحيا عام 1610.

العاصمة مركز الثقل

في النصف الأول مـن القـرن التاسع عشر، كانت الدولة العثمانية تتخبّط فـي مشكلات خطيرة، وفي غـمرة أحـداث لبنان الأليمة آنذاك كانت الظروف قـد نضجت وباتت مهيأة لصدور أول صحيفة عربية في لبنان والمشرق العربي، واعتبرت "حديقة الأخبار" التي أصدرها خليل الخـوري (1836 – 1907) في بيروت مطلع كانون الثاني 1858 أمَّ الصحف العربية وأول دورية سياسية غير رسمية تصدر على الأرض العربية. وما إن أطلّ العام 1870 حتى اندفع اللبنانيون إلى إصدار الصحف في بيروت بكثرة مدهشة، حتى أنه صدر في هذا العام سبع جرائد ومجلات، أهمها:

- "البشير"، وقد أنشأها الآباء اليسوعيون، واتخذت شعاراً لها "تعرفون الحق والحق يحرّركم".

- "الجنّة"، أصدرها سليم البستاني في بيروت العام 1870.

أما "الجنان" التي أصدرها المعلم بطرس البستاني عام 1870، فقد كانت تصدر مرتين في الشهر، وكان شعارها "حبّ الوطن من الإيمان". في العام نفسه، أنشأ القسّ لويس صابونجي "النحلة".

وأحصي نحو عشرين صحيفة خطيّة لبنانية يرقى معظمها إلى العهد العثماني.

استمر ظهور الصحف، منها الحزبية الملتزمة، ومنها المستقلة: جريدة "لوجور"، "الأوريان"، "النهار"، "البيرق"، "نضال الشعب"، "الوحدة الوطنية"، "الطلائع"، "النهضة"، "العمل"، "الهدف"، "النداء"، "الأنباء"، "العواصف"، "الانتقاد"، "المستقبل"، "السفير"، "الحياة"، "الأخبار".

مكاتب جريدة "النهار" في سوق الطويلة فوق مطعم "العجمي" في الأربعينات من القرن الماضي.

جريدة "النهار" عام 1933.


مانشيت لجريدة "السفير".

مبنى "دار الصياد".

صحيفة البيرق.

صحافة نسوية أيضاً

ولم يقتصر النشاط الصحفي اللبناني على الرجال فقط، بل كان فيه للنساء نصيب وافر. ففي عام 1914 أصدرت سليمى أبي راشد "فتاة لبنان"، وهي أول صحيفة نسائية تصدر في لبنان. ومن ثم توالت النهضة الصحفية النسائية في البلاد، فأصدرت ماري ينّي "مينرفا" عام 1917، كما أصدرت ماري زمّار "فتاة الوطن" في زحلة، وفي العام نفسه أيضاً أصدرت عفيفة صعب "الخدر". كانت ألفيرا لطّوف، مؤسسة "المستقبل" السياسية التي صدرت في طرابلس، من الأديبات الأوليات اللواتي كتبن بعنف، مهاجمة السلطة والمسؤولين. ونشير إلى بعض رموز الصحافة النسوية الناشطة في ذلك الزمن: ماري مكرزل، ماري دوين، نيللي جدعون، دنيا مروة، ألين لحود، نهاد عازار، جاكلين نحاس.

أسماء بارزة

يبقى لرواد الصحافة اللبنانية أنهم قد وضعوا اللبنة الأولى، وعلى كواهلهم قام صرح الصحافة إصداراً أو تحريراً، وأشهرهم: خليل الخوري، رشيد الدحداح، بطرس البستاني، أحمد فارس الشدياق، يوسف الشلفون، لويس صابونجي، سليم البستاني، أديب أسحق، إبراهيم اليازجي ويعقوب صروف.

كما برزت أسماء كثيرة منها: ميشال زكور، وديع عقل، جبران تويني، اسكندر الرياشي، محيي الدين نصولي، جورج نقاش، ميشال شيحا، روبير أبيلا، حنا غصن، محمد البعلبكي، رامز خليل سركيس وغيرهم كثر.

جبران التويني الجد، مؤسس جريدة "النهار".


طلال سلمان صاحب جريدة "السفير".

سليم اللوزي صاحب مجلة "الحوادث".

رياض طاهة صاحب مجلة "الأحد".

محي الدين نصولي صاحب جريدة "بيروت".

نسيب المتني صاحب جريدة "التلغراف".

ميشال شيحا صاحب "لوجور".

كامل مروة صاحب جريدة "الحياة".

جورج نقاش صاحب جريدة "الأوريون".

ميشال زكور صاحب جريدة "المعرض".

سعيد فريحة صاحب "دار الصياد".






المطران عوده: عندما تنعدم الثقة بين الشعب والسلطة التغيير واجب

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard