عُرس للثقافات والعربية إكْليل... تاريخ البشر بتناقضاته في جزيرة

25 تموز 2017 | 17:43

المصدر: "النهار"

في جزيرة نائية، تمتد شُطآنها كلآلئ على المحيط الهندي المترامي، يطربك حُضور كلماتٍ من الضاد وشاحًا، وفي أفواه الساكنة دُرَرًا. ففي جزيرة لارينيون La Réunion إقليمٍ فرنسي، يبعد عن مركز العاصمة الباريسية ما يقرب عشرة آلاف كيلومتر، تتعايش ألسنةٌ وثقافات متباينة، توافدت إليها منذ بدايات القرن السادس عشرَ من الهند، والساحل الإفريقي، ومن الجارتَيْن: مَدغشقر، وجزر القمر...جلبها تجار وافدون من فرنسا والبرتغال وانكلترا، جاؤوا يستكشفون خيرات هذه الأرض المباركة، ينتشون بسحرها ويَغتَنون بخيرها، ويحملون عقيدة الحضارة ضد التوحش ففرضوا اللسانَ الفرنسي أداة تعامل رسمي وفي مادته تفاعلت لهجاتُ المهاجرين الأوُّل ورطاناتهم. وكان التنازع اللغوي بين السكان من أهم السمات التي ميزت المشهد اللغوي في هذه "الجنَّة الصغيرة"، عاكسا جدلَ الهويات في تداخل اللغات وتفاعلها طيلة القرون الخمسة الماضية. .    

فقد ولَّد تلاقي الاثنيات والثقافات القادمة من أقطار البسيطة المتباعدة ميسمًا لغويًا نادرا في العالم، عَبَّر عن نفسه بتداول "الكريول" بما هو مزيج لغوي ينحدر أساسًا من الفرنسية، وخصوصا لهجات شمال غربي فرنسا (النورماندية والغالية) ومن البرتغالية والانكليزية، إلى جانب اللهجات المحلية التي يستعملها المستعمَرون السابقون والمهاجرون الأولون، القادمون من مَدغشقر، والهند، إلى جانب الصينيين ولسانهم المندراني. وما كان يخطر ببالٍ أنَّ اللسان العربي سيكون في هذه الفسيفساء إكليلاً.

ذلك أنَّ الكفاءة اللغوية في هذه الجزيرة متعددةُ الروافد والمجالات والوظائف: "الكريول" لهجة محكية تستخدم في البيوت والأسواق، وحتى في محالِّ العمل، تزيِّنها نبرات خاصة تضفي عليها غنائيةً في النطق تجعلها كإنشادٍ على إيقاع. ثنائية في التعبير والتصوير يحكمها منطق السياسة ومتغيرات الحكم في العاصمة وعلاقاتها مع أقاليم ما وراء البحار شدًّا وجذبًا: فالفرنسية للمداولات الرسمية والمكتوب، والكريول لمحاورات الناس التلقائية، حين يعبرون عن أفراحهم وأتراحهم، أو يفصحون عن فورة الغضب، ودُعابات العابثين. ومفردات من العربية الفصحى في ثناياها تَتسلل وتتهادى، تسرُّ الدارسين حين يتعرفون عليها أثناء الكلام، وتَخدع مَن ينكر حتمية الاقتراض ومدى سفر الكلمات. ففي اللسان الكريولي ألفاظ انحدرت أصولها من لغتنا، ثم تَفرنست بعد مرورها عبر الإسبانية، أو في طريق الحرير وتعاريج الشرق الأوسط والأقصى عبر الهندية والأردية والفارسية، واندمجت في محاوراتهم اليومية فصارت في عراقة الكَلِم الأصيل.  

وتستخدم العربية لشكلٍ مكثفٍ في المجال الديني وهي أداة الشعائر والخُطب ومنها أسماء التعاملات الاجتماعية كالزواج والطلاق. وقد ترسخ حضورها ضمن هذا التمازج اللغوي بفضل انتظام هجرة العرب إلى هذه الجزيرة، بل إنَّ اكتشافها يعود - حسب مؤرخيها وهم عدولٌ- إلى البحارة العرب القدماء وتُجارِهم، وهم الذين أطلقوا عليها اسم "دينا مُرغبان"، ولعله تحريف لعبارة "دُنيا المَغرب"، فالجزيرة واقعة في غرب رديفتها موريشوس. ثم عمرتها أجيال المسلمين من أصول هندية وإفريقية وجزر القمر طيلة عهود التوسع الإمبراطوري الفرنسي.

وتواصل هذا الحضور بفضل المهاجرين الجدد، ومنهم عرب ذوو أصول مغاربية أو مشرقية، وفدوا من فرنسا المتروبولية، وكذلك سائر الجاليات من ثقافات إسلامية. وهم يشكلون اليومَ ما يقارب العشرة في المائة من مجموع الساكنة، وجميعهم يصادف آياتٍ من لغة الضاد فصيحةً يسمعها في المساجد والمدارس وحلقات المواعظ التي يعقدونها بانتظامٍ، فتتناثر في الخُطب لُمَعٌ من العربية، كأنصع ما يكون البيان. وما أجمل انبعاثَ تلك الكلمات عفوًا حين تكسر رتابة الفرنسية وتنتظم ضمن امتداد جُملها، كأنَّ الزمن لم يتحرك في تلك الأرض النائية، وكأنَّ قوافل التجار وصلت للتو من الجزيرة العربية ويَمَنِها.

وفي محاورات الناس دُعابة نتجت عن بساطة العبارات واختصار الجُمل تبسيطًا لقواعد النحو الفرنسية وتصريفها، كأنَّ الطبيعة الساحرة التي تحيط بهم هي التي لَيَّنت منهم كفاءة التواصل وهذبت الشمائلَ: جوهرة في المحيط الهندي، تغمرها غابات خَلابة، تغزو خُضرتها السماءَ، وينشر جمالها الفردوسي على طبائع الناس فرحة حياة تجعل من الإنتاج الأدبي واللغوي مرِحًا وخفيفًا.

ولكن في الجزيرة براكين، إذا ثارت أغرقت الأرجاء حممًا، وكذا أخلاق أهلها، في كل واحد منهم بركان، يَنفرون من غرور الإداريين القادمين من #فرنسا المركزية "المتروبول"، ولاسيما إذا انبروا يُملون قرارات العاصمة، لفرض الفرنسية لغةً مطلقةً، فيعود إليهم الشموخ ويسفِّهون آراء "البِيض" الذين لم يعوا بعد روحَ الجزيرة وأهمية لسان الوجدان. ولعلَّهم توارثوا هذا الإحساس بالعزة عن عصور العبودية وأيامها القاتمة، حين رسف الأجدادُ، سودهم والهنود في أغلال الأوروبيين، وبيعوا في أسواق النخاسة، بعد أن جاؤوا بهم على المراكب البائسة. ولحسن الحظّ، تحول هذا الماضي المقيت إلى مصدر للإلهام الجمالي، فشيدت المتاحف والمعارض والملصقات في مدن الجزيرة كلها تذكر بهذه المرحلة من التاريخ الاستعماري، وقد استحال ذكرى بعيدة تَحيى في ألوان الفنون الزاهية، وتستعاد بإبداعية الأدب الراني إلى الحرية والمساواة. وهكذا، انطوى تاريخ البشر بتناقضاته في جزيرة، العالم كله بين أرجائها، وبين شواطئها وجبالها يرتسم صراع الحضارات وتلاقيها، سَقطاتها وتعاليها.  

ومن ثمرات هذا الترافد أن تعايشت في الجزيرة ثقافات وفنون، آدابٌ وموسيقى، تُرى آثار التفاعل في أجناس الأغاني وإيقاعات الرقص وجماليات الشعر، وقد اكتست جميعها بعدًا كونيا رحيبًا. فترسخ في هذا المناخ حوار الطوائف الدينية واللغوية، فصاغوا عقيدة التعايش الجماعي، وتجذر عندهم تحاور الأديان والضمائر، ولا مناص من إجرائه في تلك الفسيفساء الحالمة.  

على أنَّ وحشية الاستهلاك باتت تزحف، ومن سنين قصيرة فقط، تهدد فرحة الاختلاف وتمازج الهويات ونَصاعة ألوانها. وصاحَبَتْها إيديولوجيا اللغة الرسمية الموحِّدة، تسعى لقَولبة الخيال واللسان في رؤية نمطية واحدة، قد تقتل تدريجيا ما كان في الجزيرة من مغايرة واختلاف. يؤكد خبراء اللسان أن الكريول، في جزيرة لارينيون، ينزع اليوم إلى التلاشي، فإلى التطابق مع قواعد الفرنسية الفصحى، وبدأ الأطفال يتخلون عن لغة أجدادهم وآبائهم: كأنَّ طبائع التوحش محكومة بالدخول في قوالب "الفكر المتحضر" الذي تفرضه سلطة المركز الباريسي، وتظل لغة الضاد متنفسًا تشد المسلمين والعرب منهم إلى جذور الواحات وآفاق السماء. فهي الجزيرة التي يضمُّ، بين أحنائها، نَفَسُ الأرض رَوْحَ السماء، وتعانق خضرةُ الجِبال الباسقة نصاعةَ المياه الزرقاء، على امتداد تاريخ فيه قداسةٌ ونزاع.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard