الجلاب ومشروبات رمضان

6 تموز 2014 | 23:55

لا تخلو أي مائدة من موائد رمضان من المشروبات العربية التي إقترنت بالشهر الكريم، حيث لا غنى عنها على الإطلاق، بل هي وبحسب العرف الشعبي من الضرورات التي لا بد من توافرها عند الإفطار للتغلب على الظمأ والعطش.

فإقبال الصائمين على تناول المشروبات الرمضانية كالعرقسوس والتمر هندي والقمر الدين والكركديه والجلاب مرده إلى حاجتهم لشراب بارد – مثلج يبدد شدة الظمأ وغلة العطش الذي يسيطر عليهم طيلة فترة الصوم، خصوصاً إذا تزامن الشهر الفضيل خلال فصل الصيف، حيث يكون النهار مديد والحر شديد. وهذا ما عبَّر عنه الشاعر البصري بقوله:
حـزيـران وتـمـوز وآب ثـلاثـة أشهر فيها العـذاب
فإن قُرنت بشهر الصوم صرنا سـبائـك في بواتقها تُـذاب
وبما أن رمضان هذه السنة سيحل في الصيف، فإن المشروبات الرمضانية ستلاقي إقبالاً كبيراً من قبل الصائمين.

الجلاب
الجلاب شراب منعش وطيب ولذيذ وطعمه مدهش، وهو يسمى شراب الزبيب لأنه في الأصل كان يُصنع من عصير الزبيب ويتم تطييبه بالبخور قبل أن يُصبح تحضيره صناعياً بواسطة ثمرة الخروب.
وقد أُطلق عليه هذه التسمية لأن تناوله يجلب الإنتعاش والشعور بالبرودة وحلاوة الإحساس، فضلاً عن فوائده الكثيرة المستمدة من الزبيب الذي هو عبارة عن العنب المجفف.
فلقد عرف العرب الزبيب منذ مئات السنين. وأجود الزبيب ما كبر حجمه وسمن شحمه ولحمه ورق قشره. ومدح بعض الشعراء الزبيب ومنهم أبو طالب المأموني الذي قال في وصفه:
وطائفي من الزبيب به
ينتقل الشرب حيث ينتقل
كأنه في الإناء أوعية
من النواجيد ملؤها عسل
وقال فيه إبن سينا: الزبيب صديق الكبد والمعدة وينفع الكلى والمثانة.
كذلك فإن المجتمع الغربي إستلطف مذاق الجلاب ونقله إلى بلدانهم، وذلك عندما كان أفراد الأسطول التجاري الإنكليزي يعودون من الشرق الأوسط بعادات جديدة مستمدة من نمط الحياة الإجتماعية في تلك البلاد. ويُستدل على ذلك من خلال الكلمات الإنكليزية ذات الأصول العربية. ومن هذه الكلمات (Julap) التي تعني ذلك الشراب المشهور في البلاد العربية والمعروف بالجلاب.

العرقسوس
شفا وخمير يا عرقسوس... وبارد وخمير وآتهنى يا عطشان ...
هذه العبارات إعتاد أن يغنيها بائع "العرقسوس" للإعلان عن شراب عُرف منذ القدم بمذاقه، خصوصاً في شهر رمضان عندما تكون حرارة الشمس شديدة، فيتناوله الصائمون عند إفطارهم.
وشراب "العرقسوس" يحضر من نبات عشبي معمر ينبت في الكثير من بقاع العالم خصوصاً في سوريا ومصر والعراق وآسيا الصغرى وأوروبا وإسبانيا. وفي الصين ُيصنف ضمن لائحة الأدوية التي تحتل المرتبة الأولى. وخلال الحرب العالمية الأولى كان الفرنسيون يعطونه لعساكرهم لأنه يمتلك تأثيرات محفزة ومنشطة للجسم.
تشير المراجع إلى ان كلمة "عرقسوس" كلمة عربية الأصل تتكون من مقطعين: الأول (عرق) بمعنى متجذر و(سوس) بمعنى متأصلة. فالكلمة تعني إمتداد جذور النبات في الأرض، وتعني في بعض اللغات (الخشب الحلو). وهو نبات شجري معمر وينبت في الأرض البرية حول حوض البحر الأبيض المتوسط .
عرف "العرقسوس" منذ القدم وورد ذكره في الكثير من الكتابات .وكان البابليون يستعملونه كدواء. أما الفراعنة فجعلوا من نقيع جذوره شراباً مرغوباً، وكان أطباؤهم يمزجونه مع الأدوية بغية إخفاء طعمها ولعلاج أمراض الكبد والأمعاء. أما الرومان فكانوا يستخدمونه لعلاج السعال ونزلات البرد.
ولأن شراب "العرقسوس" يتمتع بقدرة كبيرة على كسر وروي العطش، يشهد رواجاً كبيراً خلال شهر رمضان المبارك ، فيقبل الناس على شرائه بوفرة وكثرة إما من المحال المتخصصة أو من الباعة المتجولين بلباسهم المميز والأدوات والأوعية التي يحملونها على ظهورهم أو على العربات ويمسكون بيدهم صاجين نحاسيين يصدران صوتاً مميزاً لشد إنتباه المارة.
يذكر أخيراً أن إستخدامه وشرابه كان يقتصر في الماضي على الملوك الفراعنة فقط. وظلت الأجيال الفرعونية الحاكمة تتوارثه باعتباره شراباً ملكياً خاصاً لأعتقادهم أنه يطرد الشياطين، إلى أن جاء الفاطميون فأقبل عليه الناس ليصبح شراب العامة، ويتسيد فيما بعد مشروبات رمضان.

السواس
خلال شهر رمضان نجد في معظم الأسواق والأحياء والمناطق والحارات الشعبية بائعي المشروبات العربية يجوبونها بوفرة، لتلبية حاجات الناس الإستهلاكية من تلك المشروبات خلال موسم الخير.
فكيفما إتجهنا نسمع صدى أصواتهم:
يا حنة يا تمر هندي يا أطيب مشروب عندي...
شفا وخمير يا عرقسوس... وبارد وخمير وآتهنى يا عطشان ...
إشرب الزبيب وصلي عالحبيب...
فهذه العبارات إعتاد أن يغنيها بائع "العرقسوس" و"التمر الهندي" و"الجلاب بصوته الرنان، حيث يحمل على كتفه إبريق معدنب كبير مزين بشمعدان وأضواء وخيوط من الخرز، فضلاً عن الصاجين النحاسيين اللذين يدران صوتاً مميزاً لشد إنتباه المارة، وذلك للإعلان عن شراب عُرف منذ القدم بمذاقه، خصوصاً في شهر رمضان عندما تكون حرارة الشمس شديدة، فيتناوله الصائمون عند إفطارهم، ليرووا ظمأهم ويكسروا عطشهم.
أما بعد الإفطار فلا تغيب «رقصة الظهيرة»، عن طقوس بائع المشروبات الرمضانية. يحيط بائع العرقسوس خصره بحزام عريض من الجلد، ويعلق على كتفه إبريقه الزجاجي الكبير الذي يملؤه بمشروبه السحري المثلج، وحين يكرمه الله «بزبون»، يقوم برقصته الشهيرة، فيدور بجزعه دورة أو دورتين، ثم يميل كثيرا ناحية اليمين، وهو يحمل في يده اليمنى كوب العرقسوس، يقربه ويبعده، لكي يضمن أن تعلوه «رغوة» ذهبية تتوج الكأس الزجاجي المثلج.
و«رقصة الظهيرة» ليست طريقة لجذب الانتباه فحسب، ولا هي محاولة لاستعراض مهارات خاصة، بل لها فائدة محددة، فمن خلالها يعيد تقليب مشروبه في الإبريق فيضمن توزيعا مناسبا للتركيز فلا يظلم ولا يُظلم.
وبالرغم من كل المتغيرات الإجتماعية وزوال العديد من العادات والتقاليد الشعبية الجميلة، يبقى بائعو الجلاب والعرقسوس وغيرها من المشروبات الروحية بزيهم الراقي ورنين صاجاتهم النحاسية المجلجلة يلقون الإستحسان خلال شهر رمضان لأن مهنتهم يظللها التاريخ وطقوس رمضان، وتحميها براعة صناعتها، خصوصاً إذا كانت خالية من الغش والمواد الملونة. وعلى حد قول المثل الشعبي: "الغشاش بكاش... مين لح بيصدقوا؟".

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard