الثلاثاء - 27 تموز 2021
بيروت 28 °

إعلان

مُجازفة "عشرين عشرين" المُبكَّلة

المصدر: "النهار"
فاطمة عبدالله
لقطة من الحلقة ما قبل الأخيرة، صافي وسما، وصراع الخذلان والحب.
لقطة من الحلقة ما قبل الأخيرة، صافي وسما، وصراع الخذلان والحب.
A+ A-
في "عشرين عشرين" مشهدية مُشتهاة، لا يمكن غضّ النظر عنها. فالفكرة والكتابة والصورة والتمثيل، ورودٌ في سلّة متكاملة. الجميع في مكانه، من الريّس والنقيب، إلى أولاد الحيّ وبائع الكعك. يبدو شاقاً عالم الأمن من الداخل، مزنّراً بالخطر. إشكالية حسّاسة هي "صورة" الدولة اللبنانية، ممثّلة بشعبة المعلومات والجهاز الأمنيّ. لا نملك جواباً دقيقاً على سؤال: هل قاربها المسلسل بعمق أم أظهر بعض وجوهها الهشّة؟ وهل هذه الحقيقة؟ الأكيد أنّ أفرادها يبذلون جهداً جبّاراً، والمسلسل تحيّة لهذا الجهد. درامياً، هو عملٌ بمستوى عالٍ، يرفع الرأس. أبطاله في صدارة التفوُّق.
 
 
حكاية أخرى لتجّار المخدّرات، بجوانبهم الظاهرة والمخفيّة وعلاقتهم المباشرة بالقانون والعدالة. المسلسل مُجازَفة، فأي دعسة ناقصة لن تكون في مصلحته، ذلك لأنّه اختار بشجاعة اللعب بالنار ومدّ اليد لحريقها. يطرق الباب، في انتظار الجواب: ما مصير تاجر المخدّرات؟ هل هو شخص طيّب، ورّطته الظروف؟ أم مجرم وقاتل؟ أي مقاربة أخلاقية لسلوكه ونهايته؟ أهو المُحبّ، المُضحّي، المجبور؟ أم المغطّى بأعذار أقبح من ذنب، كأن يقول "إذا ما اشتروا من عندي بيشتروا من عند غيري"؟ هو المتذاكي أم الدولة هي المتذاكية؟ لافت استعمال الدين شمّاعة لتخفيف الإحساس بالثقل. فتاجر المخدّرات مُفضِل على ناسه، يوزّع إعاشات، يصلّي في الجامع، وينطق بلسان الإيمان على الأرض. وهو أيضاً حربوق، يُلعّب الأجهزة على الشكر بكر، قبل أن تردّ الصاع له. القوى الأمنية اللبنانية ممثّلة بالنقيب سما عقل، في الواجهة. تفرض الضرورات الدرامية الوقوع في الحبّ، بعد إظهار الوجه الإنساني المرتبط بالماضي الصعب وقلّة الفرص. الدولة تُغرَم بالمطلوب، لكنّ الواجب يقتضي الدوس على القلب. أروع المواجهات قدَّمها المسلسل بين العاطفة والعقل. وبين الرغبة والواجب. وضع نادين نجيم في موقف لا تُحسد عليه. وراء القوّة، ضعف بشريّ لا يسنده سوى الحبّ. سما النقيب، هي أيضاً الأم الأرملة، والأخت الموجوعة، والأنثى الوحيدة. تجد في صافي الاهتمام والتقبُّل. فتتعلّق به. برغم الممنوع والمهمّة والضمير والوطن. معارك المشاعر.
 
 
 
 وبالحبّ، تألّقت كارمن لبّس، بشخصية رسمية. حبّ الصديق وخيبة الحبيب. كانت الوفاء من البداية إلى النهاية، وصاحبة الحدس حيال ما رافق شخصية حياة من شكوك وشُبهات. مواجهتها مع الحوت إبداع دراميّ، حين ذكّرته بأصلها وفصلها، مختزلةً أوجاع منسيين. على هامش النسيان، هناك مكتومو القيد، عرض المسلسل (إخراج مميّز لفيليب أسمر، إنتاج "الصباح أخوان"، "أم تي في"، "أم بي سي دراما") أحوالهم، وترك وراءه رسالة واضحة. آتيات من قسوة الحياة، حيث القذارة والدعارة، إلى "السترة" تحت جناح الاتجار بالمخدّرات بغطاء بيع الخضر. سقط الوجه البريء لصافي الديب للمرة الأولى حين أمر بتشريح جثة ضحيّة للتأكّد من عدم احتوائها السمّ الأبيض. ومع ذلك، ظلّ باب التعاطف معه مشرَّعاً، تخترقه مواقف شهمة، وتقتحمه البطوليات. نصّ عليه القدر والقيمة لنادين جابر وبلال شحادات، أعطى الجميع مساحته، وأوجد ثنائيات مُحبّبة كبلبل وسعاد، ومواهب مجتهدة كحسين مقدّم وجنيد زين الدين ووسام صليبا. في المناسبة، بدت ماريتا الحلاني بحجم الحِمل. رقيقة في دور الشابة المغلوب على أمرها، الهاربة من ماضيها، والخائفة من ضربات الكفّ الموجِعة. بساطتها تفضحها. دورها جيّد.
 
 
 
 
 
دقيقة النهاية، فهي ليست شأناً شخصياً متعلّقاً بصنّاع المسلسل وحدهم. هي صورة الأمن اللبناني وسُمعته. هل هو أبله أم مُحنّك؟ هل تفوته التفاصيل أم يُحكم قبضته عليها؟ هل ينتصر؟ والأهم: هل ما نشاهده نسخة طبق الأصل عن الواقع؟ الحذر واجب في ما يتعلّق بالتخطيط والتنفيذ والدهم. يُبكّلها المسلسل، ويحرص على تحمُّل المسؤولية. و"التبكيل" يتوسّع ليشمل التركيبة: قصي خولي الرائع بأجمل أدواره، نادين نجيم بنضجها ومشاعرها، كارمن لبّس بفرادتها، وأكمل لو سمحت: مرور رامي عياش، السلطان فادي أبي سمرا، يوسف حداد، فادي إبراهيم، وسام صليبا، رلى بقسماتي بغيرتها وفراغاتها، رواد عيلو بماضيها المُعذّب وطوني عيسى الفنان في الدور... الحجّة ضحى، رندا كعدي، في أعلى القمّة.
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم