الأربعاء - 19 كانون الثاني 2022
بيروت 10 °

إعلان

قصص مخفية على طريق الحرير

المصدر: "النهار"
من المعرض: سجادة يدوية تعود للقرن التاسع عشر.
من المعرض: سجادة يدوية تعود للقرن التاسع عشر.
A+ A-
محمد أدهم السيد
 

لطالما كان طريق الحرير جسراً هاماً لنقل البضائع والسلع، ووسيلة مثالية لنقل التجارب والثقافات والقصص بين أقصى الشرق والغرب. وانعكس هذا الأمر بشكل مباشر في عدد كبير من الكتب والأعمال الأدبية والفنية والقصص التي تناقلها الرحالة والمسافرون، ومضوا بها بعيداً متنقلين لسنين طويلة من الصين حتى إسبانيا. ولكن الكثير من هذه الكتب والأعمال وحتى القصص بقيت مخفية ومجهولة لمئات السنين، قبل أن يتم نفض الغبار عنها وتسليط الضوء عليها من خلال مبادرات فردية ومؤسساتية، وكذلك من خلال العديد من المعارض والعروض المتخصصة.

معرض "قصص مخفية: كتب على طول طرق الحرير"، الذي يستضيفه متحف الآغا خان في كندا منذ التاسع من تشرين الأول الماضي ويستمرحتى نهاية شباط- وينظمه بالشراكة مع مشروع "الكتاب وطرق الحرير" الذي تموله مؤسسة ميلون التابعة لجامعة تورنتو- من بين المشاريع المثيرة للاهتمام وربما الفريدة التي تسلط الضوء على علاقة البشر متعددة الأوجه بواحدة من أكثر أدوات التواصل قدماً وصلةً بالإنسان، وهي الكتاب، وفي الوقت نفسه تستعرض أهمية الكتب والمخطوطات وكذلك تقنيات الكتابة والنشر والطباعة في نقل الأفكار وتبادل الثقافات بين الأمم والشعوب على مر التاريخ.

 

يتضمن المعرض مجموعة رائعة من الأعمال الأدبية والفنية التي تم استعارتها من المجموعات الموجودة بالأصل في مدينتي أونتاريو وتورنتو، في محاولة من الجهات المنظمة "لتجنب تعقيدات وضغوط الشحن الدولي في ظل أزمة فيروس كورونا"، كما تشير أمينة المعرض، الدكتورة فيليز جاكير فيليب من متحف الآغا خان، التي تضيف قائلةً في مقابلة خاصة معها: "نركز في هذا المعرض، جنباً إلى جنب مع شريكنا، مشروع "الكتاب وطرق الحرير"، على البحث حول المخطوطات وفهمها: كيف تم إنشاؤها، والتكنولوجيا المستخدمة في هذه العملية، وكيف يمكننا التعرف على تاريخ البشرية من خلال الكتاب".

(الدكتورة فيليز جاكير فيليب، أمينة المعرض)
 

وتوافق الدكتورة سوزان كونكلين أكباري، أمينة المعرض الشريكة من معهد الدراسات المتقدمة، برينستون NJ، حول هذا الأمر، وتضيف قائلة: "يركز عملنا على تقنية الكتاب، وتاريخ الكتاب في مجموعة كاملة من المواقع حول العالم. لذلك، من خلال التعاون مع متحف الآغا خان، تمكنّا من استخدام هذا الكم الرائع من المخطوطات الإسلامية والقطع والمجموعات الجميلة التي تم استعارتها من المنطقة، من أجل سرد قصة العالم المترابط خلال فترة ماقبل الحداثة من خلال تاريخ الكتاب. ونحن لا نتحدث هنا فقط عن الكتاب من حيث المحتوى والموضوعات التي يطرحها، ولكن أيضاً عن الكتاب كمنتج".

 (الدكتورة سوزان كونكلين أكباري، أمينة المعرض الشريكة)

 

الكتب والمخطوطات الإسلامية على طريق الحرير

يستمد معرض "قصص مخفية: كتب على طول طرق الحرير"، أعماله المعروضة من مناطق مختلفة من العالم دون التركيز على منطقة أو حقبة محددة في التاريخ، كما تؤكد على ذلك الدكتورة فيليز، التي تضيف قائلة: "أريد أن أؤكد أن نهجنا عالمي، فنحن لا نبرز أو نضع ثقافة واحدة فوق أخرى، بل نتعامل مع جميع الثقافات باحترام وعلى قدم المساواة."  ولكن، على الرغم من هذا النهج الذي يتبعه المعرض، إلا أن هذا لا ينفي بأي شكل من الأشكال الثقل والوجود الاسلامي والعربي الملفت في هذا المعرض، كما هو الحال بالنسبة للمقتنيات التي يعرضها متحف الآغا خان في كندا، حيث يحتل مثل هذا الوجود دون شك موقع الصدارة.

ولا تنفي الدكتورة فيليز هذا الأمر، بل تؤكد على أهميته بالقول: "تحتوي مجموعة المتحف على أعظم مخطوطات القرون الوسطى القادمة من العالم الإسلامي وبانتشار جغرافي واسع، لذلك لدينا مخطوطات من الصين حتى المغرب، وهذا يمنحنا قدرة هائلة على النظر إلى الآلية والكيفية التي شكلت فيها صناعة الكتب تاريخ البشرية من منظور عالمي واسع".

 

وبدورها تؤكد الدكتورة سوزان على أهمية الوجود الإسلامي في المعرض بالقول: "تلعب المقتنيات التي تعود للحضارة الإسلامية دورين حاسمين في مجموعة المعرض، الأول يمثل أجزاء متنوعة جداً وواسعة النطاق ضمن هذه اللوحة الفسيفسائية التي جمعناها سويةً، حيث تأتي هذه المقتنيات والمخطوطات الإسلامية من الصين إلى تونس وحتى المغرب. أما الدور الثاني فيتمثل بأهمية المقتنيات والقطع الإسلامية والعربية كجزء مهم جداً في قصة الترابط بين الشعوب وكيف تحركت الأشياء والأشخاص والقصص عبر التاريخ".

لا شك أن الحضارة الاسلامية تركت أثراً هاماً في مسيرة الكتاب، سواء من حيث المحتوى أم من حيث تقنيات الكتابة والطباعة. وبالنظر إلى العوامل الثقافية والاجتماعية التي صاحبت عملية الانتقال من عصر المخطوطات إلى عصر الكتب المطبوعة، وعلاقتها الوثيقة بظهور فكرة القومية بين عدد من الشعوب الإسلامية وضرورة تحقيق بعض التجانس بين المجتمعات والثقافات الإسلامية التي تتحدث بلغات مختلفة من خلال أعمال الترجمة والنشر والطباعة، فإن الأمر ترك دون شك الأثر نفسه على امتداد طريق الحرير الذي يشكل فيه المجتمع المسلم جزءاً كبيراً لايستهان به.

وتؤكد الدكتورة فيليز بدورها على أهمية الأثر العربي والاسلامي في تاريخ وشكل الكتاب على امتداد طريق الحرير بقولها: "نحن لا نتحدث عن سياق الكتاب فحسب، ولكن عن تقنيات صنع الكتاب أيضاً، وعن المواد والأشكال والأحجام الخاصة به، وعن كيفية بقاء بعض المخطوطات المكتوبة على الورق. وبالتالي، إذا نظرنا من منظور عربي وإسلامي، فقد بدأ التقليد الإسلامي باستخدام الورق على نطاق واسع في كتابة المخطوطات، وهذا بالطبع من حيث النهج العام والعالمي للتاريخ البشري عزز عملية التعلم وانتشار المعرفة ونشوء الفكر وتمدد الحوار على نطاق واسع".

 

من الصين حتى المغرب

يضم معرض "قصص مخفية: كتب على طول طرق الحرير" 110 تحفة أدبية وفنية من مناطق جغرافية وحقب تاريخية مختلفة. ويحاول المعرض أيضاً التركيز على الترابط بين جميع الديانات والمعتقدات وتقديمها بشكل متوازن، ولذلك يتضمن المعرض مخطوطات إسلامية، ومسيحية، ويهودية، وحتى هندية دون التمييز من حيث المبدأ بين ديانة وأخرى.

 

وهذا الأمر يعزز من أهمية المعرض ويؤكد على شموليته، وفي الوقت نفسه يعزز الترابط بين هذه الأديان والمعتقدات، وهي المهمة التي تسعى اليها الجهة المنظمة بالأساس، كما تقول الدكتورة فيليز، التي تضيف قائلةً: "تتمثل مهمتنا المؤسسية في إنشاء جسور وتعزيز الحوار بين الثقافات، وتقديم منصة يمكن للناس أن يشعروا فيها بالراحة للمجيء والنقاش والتحدث بصراحة وطرح الأسئلة، سواء تلك التي يطرحونها عادة أو لا يطرحونها على الإطلاق".

ولا تتوقف خصوصية المعرض عند هذا الحد، فهو يمزج بين التكنولوجيا القديمة في صناعة المخطوطات والكتاب مع التقنيات الهائلة التي يوفرها الابتكار الرقمي اليوم، وينقل تجربة المعرض إلى بعد آخر من خلال التدخلات الرقمية التي تفتح أمام الزائر نوافذ جديدة على هذه العجائب الفنية المعروضة. ويشمل ذلك صور بتقنيات عالية للأعمال المختارة، تكشف عن أدق التفاصيل التي قد لا تكون مرئية بالعين المجردة؛ وتطبيقات خاصة يمكن الاستفادة منها باستخدام الهواتف الذكية للكشف عن القصص المخفية حول القطع الأثرية المعروضة والترابط بينها بهدف التعمق في تاريخ طرق الحرير؛ إضافة إلى موقع رقمي يعيد الحياة إلى هذه القطع الفردية، ويرسم خرائط للطرق البرية والبحرية التي ربطت عالمنا، ويوفر موارد تعليمية للباحثين.

 
 

من بين التحف المعروضة قطعة من النسيج المزخرف بالنقوش (العربية) مكتوبة بحروف من الخط الكوفي الذهبي، وتعود للقرن العاشر في مصر، في صدى فاخر للمصاحف الورقية ذات اللون الأزرق الملكي والذهبي التي تم طباعتها في عهد الأسرة الفاطمية. وكذلك مخطوطة لكتاب "المختار للفتوى" للإمام عبد الله بن محمود الموصلي الحنفي (1203 - 84)، والتي تم طباعتها أيضاً في مصر وتعود إلى القرن الخامس عشر. ويعتبر هذا الكتاب من المصادر المهمة في تدريس الشريعة الإسلامية، حيث تضم النسخة المعروضة العديد من التعليقات المعقدة والملاحظات الفقهية، مما يدل على أن الكتاب كان يستخدم على الأرجح من قبل خبير في الفقه كوسيلة تعليمية.

(مخطوطة لكتاب المختار للفتوى)
 
(قطعة من النسيج المزخرف بالنقوش من مصر)
 

كما يتضمن المعرض مخطوطة "كتاب الملوك" (الشاهنامه) التي تعود للكاتب أبو القاسم فردوسي الطوسي (935-1020)، في إيران. ويُظهر الغلاف المطلي لمخطوطة الشاهنامه نمطًا كثيفًا من أوراق الكرمة، التي استمرت في كونها عنصراً مؤثراً في الثقافة الإسلامية على مدى قرون. وكذلك نسخة من كتاب "دلائل الخيرات"، تعود للقرن التاسع عشر ومغلفة بالجلد المذهب والمزخرف باستخدام الألوان المائية. وتم طباعة هذه النسخة من الكتاب في المغرب، بينما يعود العمل الأصلي إلى نحو أربعمائة عام، وهو من تأليف محمد بن سليمان الجزولي.

(نسخة من كتاب دلائل الخيرات)
 

ومن المطبوعات الهامة أيضاً مختارات من القرآن الكريم تم طباعتها في الصين على الورق باستخدام الحبر والألوان المائية والذهب، وتعود إلى النصف الثاني من القرن الثامن عشر. وتظهر كلمة "سبحان الله" في الصفحة اليمنى كحرف عربي مزخرف على خلفية زهرية دقيقة. بينما يتضمن المعرض أيضاً الكثير من المخطوطات والوثائق والكتب الهامة الأخرى التي تم طباعتها باستخدام العديد من المواد المتوفرة في ذلك الزمان كالورق والخشب والأقمشة، وغيرها.

وبعيداً عن الكتب والمخطوطات يتضمن المعرض أيضاً سجادة يدوية تعود للقرن التاسع عشر تم نسجها من الصوف في أذربيجان؛ ومجموعة من الرسوم والأعمال الفنية من مناطق مختلفة على امتداد طريق الحرير؛ إضافة إلى مجموعة من الألبسة التقليدية التي تستخدم في مناطق وسط وشرق آسيا وتعود للقرن التاسع عشر؛ إلى جانب العديد من المعروضات المثيرة والمتنوعة الأخرى التي تجعل من زيارة هذا المعرض رحلة رائعة وفريدة تجمع بين المعرفة والمتعة، وتترك أثراً كبيراً في نفوس زواره. وهذا ما تؤكده أمينة المعرض، الدكتورة فيليز جاكير فيليب، التي تختم حديثها معنا قائلة: "لقد تأثرنا كثيراً باهتمام الزوار. يمكن القول أن الناس متعطشون للفنون والسفر والاستكشاف، وأعتقد أن معرض "قصص مخفية: كتب على طول طرق الحرير"، يمنح زواره هذه الفرصة كما يمنحهم متعة السفر والخروج في مغامرة مثيرة ورحلة واسعة، من أقصى الشرق حتى الغرب".

(سجادة يدوية تعود للقرن التاسع عشر)

 

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم