السبت - 04 شباط 2023
بيروت 15 °

إعلان

جزيرة المطفّفين لحبيب عبد الرّب سروري: نحو نقد فكريّ لظواهر كونيّة

نبيل مملوك
نبيل مملوك
غلاف الرواية.
غلاف الرواية.
A+ A-

في روايته الأخيرة جزيرة المطفّفين الصّادرة عن دار المتوسط (طبعة أولى 2022)، اتّجه حبيب عبد الربّ سروري (66 عاماً) إلى السّرد الفكريّ والتواصليّ دون أن يبتعد بشكل كلّي عن المبنى الفنّي موظفاً أفكاره التي تمحورت حول عملية نقد حال "المجتمع الكونيّ" وما وصل إليه نتيجة تفشّي جائحة كورونا وارتفاع منسوب القتل في الشرق الأوسط وتهديد الأمن القوميّ الأوروبي تحديداً من خلال جملةٍ من العوامل السياسيّة والإجتماعيّة والإنسانيّة (لا سيّما اللجوء) وكان لا بد لسروري أن يتوّج هذا النّقد أو الكشف أو الطّرح من خلال الانطلاق من مكان ما هو "كاليه شمال فرنسا" الشهيدة على مغامرة كشفت الكثير مما حقّقه النّص وأخفق به.

المكان واللاوعي المُحرّض

في كتابه "مقدمة للشعر العربي"، يرى أدونيس أن المكان يمكن أن شكل عامل جذب أو عامل نفور بالنسبة للمرء ولو أن أدونيس قد حصر في تصنيفه هذا الحديث عن الشاعر ولا سيّما العربي منه، إلا أن الشاعريّة في رواية سروري ظهرتْ من خلال الأغنية...النواة التي شكّلت الرواية، الشّرارة العاطفيّة التي حرّضت بشكل لاواعٍ السّارد الصحفي على الرجوعِ الى مصدرِ الصّوت والإصرار على متابعة مغامرته بطريقة مغايرة "أسرّني هذا النغم الثخين المُعتّق، كهربني  في الحقيقة" (ص 12)، ولعلّ هذه الأغنية قد طالت بدورها مطلقها لا المنصت اليها فحسب، فالعاطفة التي تعدّ عنصراً من عناصر العمل الأدبيّ أيضاً تعدّ في الجانب النفسي جزءاً لا يتجزّأ من إنتقال المرء من الكبتِ الى التّسامي حيث عبّر سيبغموند فرويد عن هذه العمليّة بعبارة شهيرة "في حياة كل مبدع ألم وكبت وحرمان" ولو أعدنا المشهد الذي صوّره صاحب إبنة سوسلوف إستنتجنا أن "طفران" اللاجىء اليمنيّ وفقاً لسروري هو مبدع خاصة وأنه خلق شعوراً بالحنين والأمان لصحفي عابر في مدينة كئيبة ككاليه شمال فرنسا "لستُ إذن العصفور اليمنيّ النادر الذي يعيش في فرنسا، ويسير الآن وحيداً في أقصى أطرافها" (ص 12-13) وقد انطلق السّارد بدوره من هذا المكان المفتوح الباعثِ على الجمود والكآبة والغربة الى عالم من الألفة والإنسانيّة التي دفعت سروري بشكل مباغت إلى البدء بالتطرق لقضايا فكريّة هزّت العالم وسط إمعان الوباء في حجر الشعوب في منازلها، فعلى الصعيد الإنساني إختار سروري طفران ليكون خيط حديثه عن اللجوء ومعاناة اللاجىء والصراع التقليدي بين المبحر واليمينيّ المتصدّي له "كوكب الأرض كله يعيش في حالة عزلة وتصفيد دائم، البشر يختفون في أوكارهم كالديدان ..." (ص 30)، "كلّما تراكمت توسعت الخيام الجديدة،  قامت الشرطة بانتزاعها بعنف" (ص 39)، وأيضاً على الصعيد نفسه أظهر سروري بشكل واضح كيفيّة عودة الإنسان الى بدائيته وغريزته في سبيل البقاء، طارحًا من خلال تدابير الحد من تفشي كورونا كيفيّة ترجمة العنف تجاه فرد متمرد في سبيل بقاء الأنا العليا "ومن سيعاقب أيّ انسان يغادر باب منزله؟ الرد بديهيّ أيضاً :درونات الحكومة الموحدة بكل تأكيد" (ص 45)، أمّا على الصعيد الأيديولوجي والفكري فما كان من فريد إلّا أن يكون جسراً لكي ينتقل السّارد من صفته المصاحِبة روائياً وسردياً الى صفة الناقد المنصهر برؤية الكاتب نفسه.

إذن كان المكان منطلقاً لمعالجة قضايا لم تعد محليّة بل باتت كونيّة متشابهة صرّح عنها الكاتب من خلال السّارد الصحفيّ المغامر في عالم ما بعد الإنسانيّة، الأمر الذي وضعنا أمام نقاش آخر حول الظواهر المجتمعيّة والتّناصات والأشارات المعبّر عنها من جهة، والمبنى الحكائي وبناء الشخصيات والتحولات التي شهدها البعض منهم من جهة ثانية.

الظواهر الكونيّة وسيميائيّة التعبير

لم يستطعْ صاحب "تقرير الهدهد " الابتعاد عن اليمن والأزمة السياسيّة والإنسانيّة فيها فكانت جزيرة " ق.ع. " وما تحمله من أحياءٍ مقسّمةٍ ومسماةٍ بالأحرفِ الأبجديّةِ التي تُعبّر عن التفاوت الإجتماعيّ والمعيشيّ فيها، فقد أشار سروري الى اليمن من خلال جملة عوامل أو جملة وحدات سرديّة مظهراً بذلك رؤيته تجاه الحرب المُتّقدة فيها بطريقةٍ سيميائيةٍ تحمل عدّة تأويلات وتحيلنا بذلك إلى عدّة أزمات في بلدان مختلفة كالعراق وسوريا أيضاً على سبيل المثال لا الحصر: "قصف وذبح واغتصاب يوميّ في أرجائها كلّها. إبادات طائفية جماعيّة، تعليم ظلاميّ..." (ص 103) وأيضاً الواقع العربيّ ككل من زاوية" الأطلس "اذا أراد المتلقّي أن يمعن في التَأويل من خلال التطرّق الى جزيرةِ ق.ع المبتكرة والتّقسيم الطبقيّ التي تعيشه في ظلّ الأزمات " كيف يتجرّأ المرء الحديث المنافقِ عن العدالةِ الإلهيّة وفي الجانب الآخر من أطلس، حيث يعيش 99 بالمئة من سكّانه... تملأ شوارعها كلّها أنهار المستنقعات السوداء" (ص 103)، وإلى جانبِ العُقد السياسيّة والإجتماعيّة كرّس سروري جزء من نصّه للإفصاح عن حفرٍ عميقة في الفكر العربيّ الحديث لا سيّما من خلال تناصّات دينيّة ومقاربات اسطوريّة عدّة، فوضع الصراع بين إيروس إله الحب والرغبة وتيتانوس إله الموت على حلبة أزمة اللاجئين ونضالهم للوصول إلى برّ الأمان ولو بطرق غير شرعيّة وتمادى في التوصيف الميثيولوجي لهذه الظاهرة الأزلية من خلال العودة الى الأوديسة "كل لاجىء عوليس معاصر، له أوديسته الخاصّة وحلم واحد الوصول" (ص 25 ).

لعلّ هذا التناص أو المقاربة النصيّة للواقع المرير مقبول ومتاح ويلامس المنطق لكن واستمرارًا في إتمام المشهد خصوصًا مشهد الإتصال بين العاملين الذات ( اللاجىء) والعامل المعاكس ( اليمين المتطرف ) بحسب غريماس هل من المنطقي السير بنفس الوتيرة التقليديّة لمقاربة الفرد ومعاناته بالأنبياء والقديسين ؟" ...سائل أحمر لامع وعميق (قرمزي كما يقولون ) ذكّرني بجراح المسيح والحسين ، عليهما السلام ... " (ص.75 ) هل نحن هنا أمام أداة جذب للمتلقي من خلال الدين الذي يعد واحدًا من الأقانيم الّداعمة للعمل الأدبيّ ؟ أم مجرّد مقاربة عابرة لمأساة متكررة حد الثبات؟ وما يثير التساؤل أيضاً هو المقاربة السيميائيّة لعقيدة يحاول الغرب بفعل التقدّم التكنولوجيّ والرقميّ حيث أن سروري طرح كل العمليات والخطط والمسارات والغايات التي يتوخاها جمهور من العلماء الغرب في هذا العالم بدءاً من تطبيق أوميغا الذي يلاحق الفرد أينما ما كان من خلال هاتفه والذي أسرَ السّارد بشكل كليّ ومن جهة ثانية الروبوتات التي اخترعها المرء لتريحه من إثم القتل "لعل اختيار الروبوتات الفاتلة ل ق.ع. كلّها... كان أدهى وأخطر وأذكى ما فعلته ق.ع." (ص 189) ليكون التساؤل هنا هل ما وصل اليه السّارد أو الكاتب إلى اِنهيار بفعل تعطيل "ص" لعمليات تتبع فريد بعد انتهاء مهمته جزء عابر من الحكاية أم رسالة تشير الى مدى تعلقنا بالعالم الرقميّ أم رؤية الكاتب تجاه التكنولوجيا نفسها "ها أنا منبوذ، عارٍ، أغرق وحيداً في دوامة أسئلة مفتوحة. لا أدري إلى ماذا سيقود الآن مصير فريد وزريقة" (ص 197) وكيف نفسّر اختيار الرّاوي  لنهايته مع الطّبيعة وانصهاره مع الإنسانيّة  "كم كنت أعشق استنشاق عبق المكان... أجلس تحتها في اللّيل، مع القمر، ونجوم لها حفيفٌ ناعمٌ ..." (ص 251). هل هي عودة لا بدّ منها إلى الإنسانيّة البحتة؟ أم طريق مجهول يؤسّس لمغامرةٍ جديدٍة؟

كلّ هذه التساؤلات التي فرضتها هذه المشهدّيات السيميائيّة تحيلنا إلى مقاربة المبنى الحكائيّ الذي حمل كلّ هذا الفائض من المقاربات والحلقات النقدية. 

البنية النصيّة بين الخطاب الفكريّ والنّص الروائيّ

لم يستطع ْصاحب كتاب "لا إمام سوى العقل" أن يكون روائياً مئة بالمئة، بقدر ما كان ناقداً أو باحثاً عن الثغرات في الطّروحات من خلال الشخصيّات، أي أنَّ الشخصيّات لم تكُنْ سوى جسور لتنقل تطلعّاته وهذا ما يذكّرنا بأعمال نوال السّعداوي وإبراهيم عيسى وغيرهم حيث يكون النص هو الوعاء المساعد لاحتواء الفكر، فعلى الصّعيد التقنيّ كان المبنى الحكائيّ أقرب الى الخطاب الفكريّ بقدر ما هو قريب من الروائيّة وذلك بفعل الإنزياحات السرديّة التي تنقل من خلالها الكاتب من قضيّة إلى أخرى بالإضافة الى حصر الصوت الروائي بالسّارد وحده الذي قد يكون غالبًا هو الكاتب نفسه، السّارد الذي أرانا فريد وطفران وحجّي وزريقة وباقي الشخصيّات من خلاله وما التقليل من الحوار والتّركيز على الوصف والذاتيّة من خلال جملة مواقف وخلاصات لا سيّما فيما يخصّ "ما بعد الإنسانية " ما هو إلّا دليل على ذهاب الرواية نحو الخطاب الفكريّ أكثر "هل سمعتم جيّداً سيتم إقتلاع المشاعر والرّغبات والعواطف كلّها..." (ص 246) "مثلاً دون الحصر".

بالاضافة إلى إبعاد الكاتب الشخصيات عن حياتهم الخاصّة وحصر علاقتها ووضعها كعوامل بمصير فريد ومسار تحولاته الفكرية من عاشق للفن والرأسماليّة إلى زاهدٍ لادينيّ يبحث مع زريقة عن ظلاله.

لم تكن جزيرة المطفّفين إلّا هذا العالم المبنيّ على الغشّ والقتل والكراهية، هي وثيقة فكريّة تنضوي في قالب أدبيّ وفي مبنى حكائيّ لم يراعِ المتتاليات بقدر ما راعى تتالي الأفكار والظواهر من خلال إعتبار الشخصيات نموذجاً يدعم كلّ فكرة والحدث هو الحجّة لكل هذه المحاولات المتمرّدة.

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم