الثلاثاء - 13 نيسان 2021
بيروت 17 °

إعلان

برلين ٧١ – "دفاتر مايا": رسائل من زمن الحرب

المصدر: "النهار"
هوفيك حبشيان
منال عيسى وحسن عقيل في "دفاتر مايا".
منال عيسى وحسن عقيل في "دفاتر مايا".
A+ A-
هل في امكاننا الحديث عن سينما لبنانية ما قبل ٤ آب وما بعده؟

تتركنا مشاهدة "دفاتر مايا"، أحدث أفلام الثنائي جوانا حاجي توما وخليل جريج المعروض في مسابقة مهرجان برلين السينمائي الذي يُقام أونلاين (١-٥ الجاري) مهمومين في هذا الاتجاه. ففي مشهد عودتها إلى لبنان بعد سنوات من الابتعاد القسري عنه، ترى مايا (ريم تركي/ منال عيسى)، بعدما أصبحت سيدة خمسينية، مدينة مراهقتها وقد تغيرت معالمها كلياً. ثم، تصيح بدهشة: "لقد عمّروا كلّ شيء!". غادرتها ناراً وغباراً وركاماً، وها انها تعمّرت مجدداً وأضحت بيئة يصلح فيها العيش. لكن هذا هو فقط جزء قليل من الحقيقة. أولاد البلد يعلمون انه كان يكفي للتصوير ان يتأخر بضعة أشهر فتمر مايا من هناك بعد تفجير المرفأ كي ترى مشهداً آخر، وتجد نفسها مجدداً في مسرح طفولتها التي لطالما تسرب من بين أصابعها كحبّات الرمل، طفولة لا يفعل الفيلم سوى لملمة شظاياها وتجميعها مرة أخيرة قبل طي الماضي. بالنسبة للمُشاهد غير المعني بالواقع اللبناني بشكل مباشر، مشهد كهذا قد يبدو واقعياً وعادياً ويستجيب للسياق الدرامي. أما الذي عاش التفجير ثانية بثانية، فصداه في داخله سيكون مختلفاً، وقد تصبح جملة "لقد عمّروا كلّ شيء"، اذا ما رددها في سره، ممزوجة بالسخرية. هذه واحدة من خصوصيات عمل الثنائي التي تتيح هذا النوع من الحميمية والتداخل بين الواقع والمتخيل.

دورة التدمير والاعمار المتواصلة هي لازمة في سينماهما: في "البيت الزهر" كانت المسألة هي الحفاظ على مبنى في وجه مشروع اعادة الاعمار بعد سنوات من التدمير، في حين صوّر "بدي شوف" الدمار الحاصل جراء حرب تمور ٢٠٠٦ مع كاترين دونوف وهي تمشي فوق الركام. بينهما "يومٌ آخر" عن استحالة العيش مع شبح الماضي ما لم يكن الحداد كاملاً. الفكرة الأخيرة تعود بحرفيتها في "دفاتر مايا": نحن أمام أصوات ووجوه وأحداث من الماضي تحضر لتخربط "صفاء" الحاضر. ماضٍ أُهمِل ولم يُطوَ، عومل كمتطفل يجب تجاهله لا بل نكران وجوده. لكن ما إن أطل، بالقوة ذاتها التي نام بها، حتى تحول إلى وحش يفترس الأخضر واليابس.

كلّ شيء يبدأ بطرد يصل إلى مايا في بيتها المونريالي عشية عيد الميلاد. أمّها (كليمانس صبّاغ) وبنتها أليكس (بالوما فوتييه) تتسلّمان الطرد عنها،لأنها غائبة. تبدي الأولى الكثير من التأفف والانزعاج كونها تعلم ما في داخله، وتظهر الثانية فضولاً وحماسة تجاه صندوق الأسرار. في البدء، تقترح الجدة اخفاء الطرد واعطاءه لمايا في ثاني يوم العيد، لكن تطور الأحداث سيدعها تعثر على الطرد في الليلة نفسها، وستعرف كذلك ان صديقتها التي أرسلته إليها قد توفيت منذ فترة.

تقول جوانا حاجي توما ان مضمون الطرد (كاسيتات، صور، فيديوات، دفاتر يوميات، الخ) ما هو سوى مراسلاتها مع صديقتها التي هاجرت إلى فرنسا هرباً من الحرب. ففي الثمانينات، بين عمر الـ١٣ والـ١٨، دأبت على مراسلة هذه الصديقة التي كانت مقربة منها في مرحلة من المراحل. كانت تخبرها عن كلّ شيء تمر به خلال الحرب، من حبّ وخيبة وألم. ثم، بعد ست سنوات من المراسلة المتبادلة، فُقِد التواصل بينهما، قبل ان تعودا لتلتقيا مجدداً بعد ٢٥ سنة في مناسبة معرض لجوانا وخليل.

عندما تفرش أليكس على فراشها تذاكر السينما التي اشترتها والدتها في مراهقتها لمشاهدة الأفلام، سواء في النحو الذي تفرشها فيه أو للهدف الذي تفرشها من أجله، تختفي آخر نقطة شك ان الفيلم شخصي، وشخصي جداً. مع ذلك، نحن أمام عمل روائي ينتمي إلى الخيال. وفي لحظة معينة، لا بد ان تختلط علينا الأشياء، وسط التداخل بين الروائي والواقعي، فتسقط الحدود بينهما. هل يوجد إنسان لا يشعر بهذا التشويش حينما يفكّر في الحرب؟ غالباً، تذوب الذكريات الحقيقية في أشياء اخترعناها ثم مع الوقت أضحت "حقيقة"!

كلّ واحدة من السيدات الثلاث ستتعامل بطريقة مختلفة مع محتوى "الطرد –الأمانة" الذي يبدو كدخيل في البيت. بالنسبة إلى الجدة، لا مجال للعودة إلى الذكريات الأليمة التي صارت جزءاً من حياة سابقة، ولا تريد ان تسمع عنها شيئاً. في حين أن الأم مترددة للنبش في صفحات ليس فيها سوى موت وألم وعنف وضياع، ولكن أيضاً بعض اللحظات حيث الحبّ يجعل كلّ شيء آخر قابلاً للتحمّل. أما الحفيدة أليكس، فسنجدها وقد استوطنت بين القصاصات والأوراق والصور بحساسية ابنة زمن الكاميرا داخل الهاتف المحمول. سنراها مهمومة بالتوثيق والسعي إلى الفهم، تمرر كلّ الوثائق كآلة فحص أمام هاتفها، في محاولة لحفظها في ضوء الفهم الجديد لمسألة الحفظ والتوثيق. في هذا، هي شبيهة بأمها التي ورثت منها هذه النزعة التوثيقية، وهذا هو الشيء الوحيد الذي يبرر اهتمامها المفرط بماضي أمها والبلد البعيد الذي جاءت منه. لولا هذا، لكان السؤال مشروعاً: لماذا تُظهر صبية في مثل هذا العمر الرافض لكلّ شيء شغفاً بحكاية أمّها؟

يتفرع "دفاتر مايا" من هذه الأجيال النسائية الثلاثة في نصّ شديد الولوج في الحكاية و"حبكوي" إلى درجة عالية. انه بشكل عام فيلم عن كيف تلقي التجربة الشخصية ظلالها على مَن سيأتي من بعدنا. هناك نواح عدة يمكن النظر إلى الفيلم منها، لكن هذه الناحية هي الأكثر وضوحاً ونضجاً لتصبح مادة تستحق التنقيب فيها.

ينتقل الفيلم من يد إلى يد، قافزاً من زمن إلى آخر. من جليد كندا حيث الجفاء إلى ثمانينات بيروت التي تغلب عليها الحركة الدائمة والخوف الشديد ولكن أيضاً الاستهتار بالحياة وفقدان البراءة والأجواء الصاخبة المشبّعة بموسيقى الأولديز من بلوندي إلى ذا سترانغلرز ففيزاج وكانساس. مقتنيات مايا تشرع الباب للعب جميل بالوسيطين البصري والصوتي حيث الحرب تظهر حيناً مأساة وحيناً ملهاة. فالقنابل تتساقط كما في أفلام التحريك. يمكن الحديث عن ملهاة في البداية حصراً، عندما كان عمر مايا يسمح لها بالهرب من الواقع. ولكن مع تصاعد حدة العنف وتصدع البيت العائلي، يزداد كلّ ما حولها سواداً وينعدم فيه الأمل.

مقابل أصوات النساء الثلاث، صمتٌ مريب يعبر الفيلم، هو صمت رجاله: رجا (حسن عقيل) الدي جاي المتحزب الذي تُغرم به مايا، ووالدها (مارك قديح) المدرّس الذي تقتله مبادئه. رجلان لا يتكلمان، يتشابهان في صمتهما رغم ان أحدهما نقيض الآخر. إلى هذا الصمت، يمكن اضافة صمت صديقة مايا، حد ان الواحد منا يعتقد في لحظة من اللحظات انها تخاطب الفراغ، مجرد صرخة تلقيها في الفراغ.

زيارة بيروت تبدد غموض دفاتر مايا، الغموض الذي استطاع فيلم مثل "حرائق" لدوني فيلنوف صونه وبلورته. من قرب ليس كما من بعيد. في العاصمة المشتهاة، يضع الفيلم كلّ شيء على الطاولة مع مكان خاص للأمل. كما لو أرادت مايا التنازل عن هذا الحمل إلى ابنتها، لعلها تعطيه معنى جديداً.

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم