الأحد - 11 نيسان 2021
بيروت 17 °

إعلان

برتران تافرنييه: لديّ على الأقل انتصار سياسي واحد

المصدر: "النهار"
هوفيك حبشيان
برتران تافرنييه.
برتران تافرنييه.
A+ A-
"يسعدني أن أتحدّث لصحيفة لبنانية"، قال لي المخرج الفرنسي برتران تافرنييه الذي رحل السبت الماضي عن ٧٩ عاماً، في أول اتصال هاتفي به، بعدما كان ربطني به الناقد السينمائي ميشال سيمان، صديقه وزميله و"حليفه" منذ أيام تعاونهما في مجلة “بوزيتيف”. في اللقاء الذي جمعني به، فتح لي تافرنييه قلبه طوال أكثر من ساعة ونصف الساعة، ونحن جالسان وجهاً لوجه في مكتبه الباريسي. أخذنا الحديث إلى تاريخه الشخصي، بدءاً من سنوات الاحتلال النازي لفرنسا وصولاً إلى عشقه للسينما الأميركية التي خصص لها كتابات قيمة. في المقال الآتي، نستعيد مقاطع من هذا اللقاء، كتحية لفنان استثنائي في المشهدين السينمائيين الفرنسي والدولي رثاه سكورسيزي وبكاه صديقه ومعاونه تييري فريمو الذي كتب عنه قائلاً: "يُقال ان موت بعض الرجال أشبه بحرق مكتبة، مع (رحيل) برتران تحترق مكتبات سينمائية عدة. فتافرنييه، الموسوعة السينمائية التي لا مثيل لها، من هذا الجيل المأسوف عليه الذي تعلم صناعة الأفلام في الصالات المظلمة. في مقابلة لي معه، تحدّث متذكراً: “اكتشفتُ السينما في مصحّة لمعالجة السل غداة الحرب العالمية الثانية. كانوا يعرضون لنا أفلاماً أيام الآحاد. بعض المشاهد دمغتني دمغة عميقة. هناك فيلم ترك فيّ انطباعاً ضخماً. استغرق بحثي عنه ٣٠ أو ٣٥ عاماً. ظللتُ أتذكّر مشهداً منه من دون أن أتذكّر عنوانه، لأنني شاهدته عندما كنت في السادسة. ذات يوم، وجدته: كان فيلم جاك بيكير، "الأتو الأخير". اذاً، أول فيلم شاهدته في حياتي كان لمخرج سينمائي أصبح في ما بعد أحد السينمائيين المفضّلين عندي”.
 
 
تافرنييه مع فيليب نواريه.
 
الصدمة الكبرى

“غاري كوبر صدمة طفولتي الكبرى. كنت سينيفيلياً متعصباً في ليون. ثم اضطر والدي وأمي الذهاب إلى باريس لكسب عيشهما. وقد اضطرا إلى ذلك لأن المجلة الثقافية التي كانت تُباع على نحو جيد خلال الاحتلال بدأت مع انتهاء الاحتلال تنافسها مجلات أقوى منها. وأعتقد ان والدي لم يكن رجل أعمال كبيراً. لم يكن في امكاننا منافسة مجلات تنشرها دار "غاليمار"، لذا سرعان ما وقعت المجلة اعتباراً من منتصف الأربعينات في مرحلة جمود، وهذا ما دفع والدي إلى الذهاب إلى باريس بعدما كان وجد فيها عملاً. في طفولتي، كنت طبعاً أشاهد أفلام الحركة، وفي هذا المجال لم يكن الفرنسيون الأقوى والأهم. لم أكتشف السينما الفرنسية الا مع أفلام الراشدين ذات المضامين الجادة. "الوهم الكبير" (جان رونوار) كان صدمة كبرى. مكثتُ مكاني في ثلاثة عروض متتالية. هناك أفلام كثيرة كنت أعيد مشاهدتها. "ظلّ الشك" لهيتشكوك مثلاً. هذه أفلام كنت أعود لمشاهدتها على الفور. ثم كان هناك "هيروشيما حبيبتي" لألان رينه الذي شاهدته خمس أو ست مرات في أسبوع واحد”.


سوتيه وملفيل

“كتبتُ النقد لأنه كان عليّ ان أجني المال. وكان والداي يجدانني كثير التردد لدخول معهد العلوم السياسية، وكان هذا مجالاً يرعبني. فقالا لي: اذا أردتَ ان تسكن معنا، فعليك ان تدفع الإيجار وإلا تستأجر استوديو وتتدبر أمرك. كنت قد وقعتُ في معضلة. رأيتُ الجانب الإيجابي للموضوع اذ كان يمكنني ان أفعل ما أريد، ولكن لم أكن اتغاضى عن الناحية السلبية لأنه كان يتوجب عليّ ان أجد مصدراً للرزق. وكنت قد التقيتُ بنقّاد في السوربون بعدما أسستُ مجلة. راسلتُ مجلة "تيليراما" قائلاً لادارتها بأن في وسعي ان أنجز "فيشات" أفلام. وكان يُدفع لي مقابل كلّ فيش ٨٠ فرنكاً. وكنت بدأتُ أكتب "أشياء" عن أفلام أعرفها جيداً، وأتلقى بدلاً مادياً عنها. أول مَن منحني عملاً كان بيار بيار، كان له الانفتاح الفكري الكافي ليقول لي انني أستطيع ان أعمل، وكنت أتقاضى بدلاً مادياً عن كلّ سطر أكتبه (...). أول مقال لي كان عن كلود سوتيه. ثم توطدت علاقتي بسوتيه. كانت صداقة في المرحلة التي كنت في حاجة فيها إلى عمل، أخذني تحت جناحه، وكان ذلك في منتهى اللطف، لأنني لم أكن أفيده في شيء. عندما بدأتُ في الإخراج، كان هو الشخص الذي استشيره في ما يتعلق بالسيناريو ونسخة المونتاج الأولى. مع جان بيار ملفيل، كانت تجربة صعبة. على البلاتو، كان ملفيل طاغية. كان يذلّ الآخرين. كان ذا سحر لا يقاوَم، لكن كانت عنده حاجة في ان يكره الناس. أنا لا أحتاج إلى ذلك. فعل بي بضعة ضروب قاسية. لكن في الاجمال، كانت معاملته لي جيدة. ذات يوم، نصحته بأن يذهب لمشاهدة "مونفليت" لفريتس لانغ و"زمن بلا رحمة" لجوزف لوزي اللذين كرههما. وكان منع فريق العمل من محادثتي طوال أسبوع”.

في جحيم كوبريك

“تجربة العمل ملحقاً صحافياً لستانلي كوبريك كانت سيئة. قدّمتُ استقالتي في تلغرام رنّان. العمل معه كان جحيماً. كان يغيّر رأيه بين لحظة وأخرى. كان يستفسر عن ألف شيء وشيء ويطاردني بالاتصالات الهاتفية إلى منتصف الليل. لمجرد رحلة إلى لندن (مكان اقامة كوبريك) ألغينا حجز الطائرة ١٥ مرة. ثم طفح الكيل! اتصالاته الليلية كانت توقظ أولادي من النوم. ولم يكن يعطي أي تفسير. كان يعيد النظر في كلّ ما كنّا متفقين عليه. وعندما بتّ أشعر بالتعب من هذا الموضوع، قلتُ له: "فاك يو"! وسرعان ما جاءني عرض من رئيس قسم الدعايات لدى "وارنر" الذي قال لي انه بَروَزَ التلغرام في مكتبه، وكنت كتبت فيه: "كمخرج أنت عبقري لكن في التعامل أنت أحمق”.
 
مع رومي شنايدر وهارفي كايتل خلال تصوير “الموت بشكل مباشر”.
 
 
أول يوم تصوير

“كنت محرجاً أمام التقنيين في أول يوم تصوير لي، لكن كان عليّ ان لا أظهر ذلك. كنت أعلم ان كثيرا من الأشياء تحصل في أول يوم تصوير لأن التقنيين والعمّال هم أشخاص عملوا على عديد من الأفلام ويعلمون جيداً اذا كان المخرج مرتاحا على البلاتو أم لا. لا يمكن خداع طاقم التصوير”.


فيليب نواريه

“أثناء العمل وجدتُ ان هذا الرجل متعة خالصة. ثم قلت لنفسي: لماذا لا أستمر في هذه المتعة؟ فجأةً فكرتُ في سيناريو كنت قد كتبته قبل "الساعاتي" واعتبرتُ انه سيكون جيداً اذا اقتبسته لنواريه. أنجزناه وهكذا كان. نواريه وروشفور دعماني كثيراً. كلّ دقيقة عملتُ فيها مع نواريه كانت دقائق سعادة. شعرتُ بذلك مع غيره أيضاً، لكن نواريه كانت له طريقته في تخفيف وطأة الصعاب والضغوط. كانعنده شكل من أشكال التهذيب. خلف هذه الشخصية غضب وعنف حاولتُ استغلالهما في "الحياة ولا شيء سواها" وأفلام أخرى. كانت عنده طريقة في عدم فرض الصعوبة عليك. في السينما، يختلف أسلوب عمل البعض عن البعض الآخر. هناك مَن لا يستطيع ان يمثّل الا بعد نصف ساعة من الصمت والتركيز. هو لا يحتاج إلى ذلك: يمزح قليلاً، ثم يقول "هيّا بنا" وكلّ ما يحتاج اليه للتركيز، ثانيتان. لا يقوم بنمر كما الكثير من الممثّلين الذين لا يريدون ان يكون أحد في نظرتهم والذين يغضبهم وجود غصن شجرة يتحرك. هو كان يتأقلم ويحضّر صباحاً. أحياناً، كان يدّعي انه لا يجيد المشهد لكنه كان يجيده”.
 

فضول

“عندي الكثير من الفضول حيال أشياء كثيرة. أنا من جيل يقدّر الخيال. هناك سينمائيون كبرغمان عادوامراراً إلى التيمات الباهرة نفسها. أنا أجد ان من الرائع ان يذهب المرء في استكشاف أمكنة وأزمنة مختلفة. هناك جملة في سيرة مايكل باول أتمنى لو انني كتبتها، مفادها انه صنع كلّ أفلامه ليتعلّم. كنت أندهش في كلّ مرة اكتشف فيها موضوعاً سيقحمني في عالم أجهله. عندي شغف بالاستكشاف وأعتقد ان الأفلام نوع من استكشاف وما نتقاسمه مع الجمهور هو متعة ما اكتشفناه”.
 
مع سكورسيزي خلال تصوير “حول منتصف الليل”.
 
السينما الأميركية

“حبّي للسينما الأميركية لا يزال. السينما الكلاسيكية والثقافة أيضاً. كان لهذه الثقافة آثار سلبية أيضاً. أغضب حين أرى ان ثقافة أميركا لا تصل إلى الناس كما يصل جهلها. تبقى أميركا البلد الديموقراطي حيث هناك أقل عدد من حائزي جوازات سفر نسبةً لعدد سكانها. أي ان هناك عددا كبيرا من الناس لم يزوروا في حياتهم بلداً آخر، وحتى لم يذهبوا إلىولاية أخرى. هناك ثقافة التعصب التي تُترجم من خلال بعض الأداء في السياسة الخارجية لأميركا. سمعنا بعض الجمل الشهيرة لرؤساء أميركيين، منها: هل يتكلمون اللغة اللاتينية في أميركا اللاتينية؟ رغم حماقاتهم، لا أتخيل ان القادة الأوروبيين يمكنهم ان يكونوا على هذا القدر من الغباء. هذا الإحساس الذي عندي تجاه أميركا وثقافتها، وهو احساس متناقض وملتبس قائم على العداء والحبّ، يتشاركه معي الكثير من الأميركيين. كثر منهم يعشقون بلادهم، لكن في الوقت نفسه يغضبون حيال التجاوزات”.
 

المطبخ الرفيع

“أحبّ الطعام الجيد. المطبخ الشهي مهم ويساعد على تقريب الناس بعضهم من البعض الآخر. بعض الأفلام تنصب للمطبخ عداء غير مفهوم. أنجزتُ أيضاً أفلاماً موضوعها المضربون عن الطعام. الغذاء هو موضوع الفيلم لكن من خلال غيابه. "حكاية الحياة المحطمة" هو وثائقي لي دفع ساركوزي إلى تغيير القانون. اذاً لدي على الأقل انتصار سياسي واحد”.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم