محور إيران يفقد مركزيته... الفصائل ترسم هوامشها الخاصة
أمير الدعمي - كاتب وحقوقي عراقي
أعادت الحرب الجارية رسم ملامح ما عُرف طوال سنوات بـ"محور المقاومة الإسلامية"، وتأثير إيران في صنع قراره العسكري. فقد تحوّل من شبكة مترابطة نسبياً تدور حول مركز ثقل واضح في طهران إلى منظومة أكثر تشتتاً، تتفاوت فيها قدرات الفصائل وهوامش حركتها ومصالحها المحلية. وتكشف التطورات الأخيرة أن المشكلة التي تواجه إيران باتت تكمن في قدرتها على إدارة هذه الشبكة كأداة استراتيجية موحدة.
لعقود، اعتمدت طهران على بناء منظومة متعددة الطبقات تضم "حزب الله" في لبنان، والفصائل العراقية، والحوثيين في اليمن، و"حماس" وفصائل فلسطينية أخرى، إضافة إلى حضورها السابق في سوريا. وكانت قوة النموذج تكمن في الجمع بين التمويل والتسليح والتدريب والأيديولوجيا، بما يسمح لإيران بإسقاط نفوذها بعيداً عن حدودها، من دون تحمّل كلفة المواجهة المباشرة.
خسارة الحلقة السورية
لكن حربي الـ12 يوماً والـ40 يوماً أضعفتا الحلقة التي كانت تربط هذه المكونات بعضها ببعض. فقد أدت الضربات المتتالية إلى إضعاف "حزب الله" وتراجع موقعه داخل المعادلة اللبنانية، فيما أدى سقوط نظام بشار الأسد إلى فقدان طهران أحد أهم الجسور الجغرافية والسياسية التي ربطت إيران بالعراق ولبنان. وبذلك، تراجع الدور الذي أدته سوريا طوال سنوات كمحور لوجستي مركزي داخل الشبكة. وتشير تحليلات حديثة إلى أن إيران بدأت تعيد توجيه ثقلها نحو العراق واليمن، حيث لا تزال تمتلك أدوات أكثر قدرة على الحركة.
في العراق تحديداً، تبدو المفارقة أوضح. فالفصائل الموالية لإيران أصبحت أكثر اندماجاً في مؤسسات الدولة والسياسة والاقتصاد، ما منحها قوة داخلية كبيرة، لكنه جعل قراراتها مرتبطة أيضاً بحسابات بغداد ومصالحها المحلية. وتضم "المقاومة الإسلامية في العراق" نحو 10 جماعات وحوالى 50 ألف مقاتل، وفق تقديرات حديثة، إلا أن حجم هذه القوة لا يضمن لطهران القدرة على تحريكها ككتلة واحدة في كل ظرف.
أما الحوثيون، فقد ارتفعت قيمتهم الاستراتيجية بالنسبة إلى إيران، خصوصاً بسبب موقع اليمن على باب المندب وقدرتهم على تهديد الملاحة والبنية التحتية في المنطقة. وفي المقابل، تكشف هذه الأهمية درجة متزايدة من الاستقلالية، إذ تتحرك القيادة الحوثية وفق حساباتها المتعلقة بالحرب اليمنية وموازين القوى مع السعودية، إلى جانب علاقتها بطهران. وقد ظهرت هذه الاستقلالية بوضوح في التصعيد الأخير مع الرياض.

من المركزية إلى شبكة مستقلة
حجم الخلل الذي أصاب قدرة طهران على إدارة شبكتها كمنظومة واحدة كبير. فالحرب أضعفت القيادة المركزية والطرق اللوجستية والردع المتبادل، ودفعت في الوقت نفسه الفصائل إلى تطوير قدراتها الذاتية، خصوصاً في مجال الطائرات المسيّرة، ما يجعلها أقل اعتماداً على التوجيه الإيراني المباشر.
والنتيجة الأرجح هي انتقال المحور من نموذج هرمي تقوده طهران إلى شبكة أكثر لامركزية. وقد يقلل ذلك قدرة إيران على تنسيق جبهات متزامنة، لكنه يجعل الشبكة أكثر صعوبة في التفكيك، إذ يستطيع كل فصيل الاستمرار وفق مصالحه المحلية حتى عندما تتراجع قدرة المركز الإيراني على التمويل أو القيادة. وهنا تكمن المفارقة، فقد أضعفت الحرب إيران كمدير لشبكة إقليمية مترابطة، فيما منحت بعض مكونات هذه الشبكة مساحة أكبر من الاستقلال والقدرة على البقاء.
نبض