التنف يعيد سوريا إلى المواجهة الأميركية - الإيرانية: دمشق بين ضبط طريق "حزب الله" وتجنب الحرب
أدخلت إيران الأراضي السورية في خريطة ردها المباشر على الولايات المتحدة، بإعلانها استهداف منطقة التنف عند المثلث الحدودي مع العراق والأردن، بعد خمسة أشهر من سحب واشنطن قواتها وتسليم القاعدة إلى الجيش السوري.
وحمل اختيار هذه العقدة دلالة تتجاوز الثأر الذي أعلنه الحرس الثوري لمقتل عسكريين إيرانيين، إذ جاءت الضربة بعد ساعات من إعلان دمشق ضبط شحنة أسلحة قادمة من العراق، قالت إنها كانت متجهة إلى "حزب الله"، وفي وقت تدفع واشنطن السلطة السورية إلى أداء دور أكبر في قطع خطوط إمداد الحزب، وربما التعامل معه داخل لبنان.
روايتان وموقع ملتبس
قال الحرس الثوري إنه دمر راداراً ومروحيات وقتل جنوداً أميركيين في "مركز قيادة للعمليات الخاصة" في قاعدة التنف. في المقابل، تضاربت الروايات المنسوبة إلى مصادر عسكرية سورية. وقال أحدها لـ"رويترز" إن هجوماً وقع قرب المنطقة، لكنه أخطأ القاعدة ولم يتسبب بخسائر، فيما نفى مصدر آخر لـ"أ ف ب" أي استهداف إيراني للتنف.
وبغياب موقف رسمي سوري يحسم الروايات المتضاربة، وعدم نشر طهران أدلة مصورة تدعم روايتها، بقي مكان سقوط المقذوفات ونتائج الهجوم غير محسومين.
ويزيد الانسحاب الأميركي من غموض الحادثة. فقد أعلنت القيادة المركزية الأميركية في شباط/فبراير استكمال سحب قواتها من التنف إلى الأردن، فيما قالت وزارة الدفاع السورية إنها تسلمت القاعدة بعد تنسيق مع واشنطن. كما اندمج "جيش سوريا الحرة"، الشريك المحلي الذي دربته الولايات المتحدة ودققت في اختيار عناصره، في قوات أمن البادية.
وبذلك استهدفت إيران، أو قالت إنها استهدفت، منشأة ارتبط اسمها طويلاً بالوجود الأميركي، لكنها أصبحت تحت سلطة دمشق. وهذا يجعل الضربة رسالة إلى الطرفين، حتى إذا كانت قد أخطأت هدفها عسكرياً.
وتمثل العملية تحولاً في طريقة تحرك إيران داخل سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد. فهي المرة الأولى التي تعلن فيها طهران تنفيذ هجوم مباشر على الأراضي السورية، بعدما نُسبت هجمات سابقة إلى الفصائل العراقية الموالية لها.
وفي آذار/مارس، استهدفت مسيرّات آتية من العراق مواقع سورية قرب الحدود، فيما هددت وسائل إعلام إيرانية شبه رسمية القصر الجمهوري وفنادق في دمشق، بذريعة استضافة ضباط ومستشارين غربيين. وانتقلت طهران هذه المرة من التهديد والتحرك عبر الوكلاء إلى تبني الضربة باسم الحرس الثوري.

عقدة للسلاح والطاقة
تستمد التنف أهميتها من موقعها على الطرق التي تربط إيران بالعراق وسوريا ولبنان. واستخدمتها واشنطن منذ عام 2014 في عمليات التحالف ضد تنظيم "داعش"، قبل أن تتحول إلى عائق أمام حركة الفصائل المدعومة من طهران وخطوط إمداد "حزب الله".
وبعد خروج القوات الأميركية، ورثت دمشق مسؤولية تأمين الحدود ومكافحة خلايا التنظيم في البادية، إلى جانب مراقبة أحد أبرز المسارات البرية الرابطة بين العراق والداخل السوري.
واكتسب المعبر خلال الربيع بعداً تجارياً أيضاً، مع بدء عبور قوافل الفيول العراقي منه باتجاه بانياس. وتزامنت الضربة مع محادثات عراقية مع شركة "شيفرون" لدراسة مسارات أنابيب تتجاوز مضيق هرمز، فيما أعلنت واشنطن دعم إحياء خط كركوك–بانياس.
ولا يوجد دليل معلن يربط هذه المشاريع بقرار إيران استهداف التنف، إلا أن التطورات توسع أهمية الموقع. فهو حاجز أمام شحنات السلاح، وبوابة للتجارة، وممر محتمل للطاقة خارج المضيق الذي تستخدمه طهران ورقة ضغط في مواجهتها مع واشنطن.
وعزز إعلان دمشق ضبط شحنة أسلحة هذا المعنى. فقد قالت وزارة الداخلية السورية إن صواريخ بعيدة المدى وأخرى مضادة للدروع وطائرات مسيّرة أخفيت داخل صهريج قادم من العراق ومتجه إلى "حزب الله". ونفى الحزب الرواية ووصفها بـ"المختلقة"، فيما أعلنت بغداد تشكيل لجنة للتحقيق.
ومهما تكن نتيجة التحقيق، أظهر الإعلان السوري انتقال الأجهزة الأمنية من اعتراض شحنات السلاح قرب الحدود اللبنانية إلى محاولة قطعها عند دخولها من العراق.
وتكمن الدلالة أيضاً في توقيت الكشف عن العملية. فوفق مصدر عراقي، جرى ضبط الشحنة في 7 تموز/يوليو، إلا أن وزارة الداخلية السورية انتظرت تسعة أيام قبل إعلانها واتهام "حزب الله".
وجاء الإعلان بعد انتقال عبد القادر طحان من منصب نائب وزير الداخلية إلى رئاسة الاستخبارات، وقبل استهداف التنف بساعات. ويضع ذلك الكشف ضمن مرحلة إعادة ترتيب القيادة الأمنية، من دون وجود ما يثبت ارتباط توقيته مباشرة بالتعيين الجديد أو بالضربة الإيرانية.
اختبار "حزب الله"
وأتى استهداف التنف فيما تواجه السلطة السورية واحدة من أكثر المهمات حساسية منذ وصولها إلى الحكم، تتمثل في التعامل مع "حزب الله" وسط ضغوط أميركية متزايدة.
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد تحدث علناً عن هذا الملف، وقال إن الرئيس السوري أحمد الشرع قدم التزامات في شأنه، قبل أن يعلن أنه يفكر في منحه الضوء الأخضر للتحرك.
وتكشف مواقف مؤسسات السلطة السورية تبايناً قد يعكس اختلافاً في المقاربة أو توزيعاً للأدوار. فوزارة الداخلية تصف الحزب بـ"الميليشيا الإرهابية"، وتعلن ضبط شحنات مرتبطة به واعتقال خلايا تتهمها بالتعاون معه، فيما أبقى الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني باب الحوار مفتوحاً مع التنزيم اللبناني "إذا اقتضت مصلحة سوريا ذلك".
ويتيح هذا التباين للأجهزة الأمنية مواصلة الضغط على شبكات الحزب، مع احتفاظ القيادة السياسية بهامش للتفاوض يجنّب سوريا الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
وفي هذا السياق، تتجاوز دلالة استهداف التنف الرد على موقع حمل سابقاً صفة القاعدة الأميركية. فالضربة طالت عقدة حدودية تتولى دمشق عبرها قطع السلاح القادم من العراق، ما يجعلها إنذاراً بأن الانتقال من ضبط الحدود إلى مواجهة الحزب قد يضع السلطة السورية مباشرة في مرمى النيران الإيرانية.

صمت دمشق
أما سياسياً، اختارت دمشق الصمت. فلم تصف الخارجية السورية الهجوم بأنه عدوان أو انتهاك للسيادة، على رغم استخدامها هذه اللغة في إدانة الضربات الإيرانية التي استهدفت دولاً عربية.
ويعكس الصمت صعوبة موقع دمشق. فهي تسعى إلى تجنب التحول إلى طرف في الحرب الأميركية - الإيرانية، فيما تفتقر إلى منظومة دفاع جوي متكاملة قادرة على حماية مدنها وقواعدها، بعدما دمرت إسرائيل قسماً كبيراً من قدراتها العسكرية عقب سقوط النظام السابق.
وقد تمنح الضربة الشرع حجة إضافية لحصر الاستجابة للمطالب الأميركية داخل الأراضي السورية، عبر مواصلة ضبط الحدود وملاحقة شبكات السلاح، في مقابل رفض إرسال قوات إلى لبنان أو الانخراط في مواجهة مباشرة مع "حزب الله" تحت خطر الرد الإيراني.
إلا أن استمرار الهجمات قد ينتج مع الوقت أثراً معاكساً لما تريده طهران، إذ سيدفع دمشق إلى طلب مزيد من المعلومات والدعم والحماية الجوية من واشنطن والأردن وتركيا، ويزيد ارتباط أجهزتها الأمنية والعسكرية بخصوم إيران.
وهنا تكمن مفارقة التنف. تستطيع طهران رفع كلفة الدور السوري في قطع خطوط إمداد "حزب الله"، لكنها قد تسهم في إعادة بناء الحاجز الأمني الذي أضعفه الانسحاب الأميركي من القاعدة.
نبض