ترامب يطرح دوراً سورياً في مواجهة "حزب الله"... دمشق بين مكاسب أميركا ومخاطر لبنان
طرح الرئيس الأميركي دونالد ترامب سوريا علناً كقوّة محتملة في ملف "حزب الله"، وسط تعقيدات متصاعدة في المسار مع إيران وعلى وقع توتّر مستمر بين لبنان وإسرائيل. وجاء التصريح بالتزامن مع حديث إعلامي عن زيارة وشيكة للرئيس السوري أحمد الشرع إلى واشنطن واحتمال حضوره عشاءً على هامش قمة "الناتو" في تركيا. ومع انتقال الفكرة من نطاق التسريبات إلى مستوى الطرح السياسي المباشر، تجد دمشق نفسها أمام منعطف قد يمنحها ثمناً سياسياً واقتصادياً كبيراً، أو يدفعها إلى مغامرة تتجاوز حدود لبنان.
وفي حال تحوّل الطرح الأميركي إلى بند فعلي على طاولة المباحثات بين واشنطن ودمشق، فإن النقاش لن يقتصر على مستقبل "حزب الله"، بل سيمتد إلى موقع سوريا الجديد في الترتيبات الإقليمية التي تتبلور بعد سنوات من الحرب والعزلة.

من التسريب إلى الطرح العلني
أهمية كلام ترامب لا تنبع من أنه طرح فكرة جديدة. فقد نشرت "رويترز" في آذار/مارس الماضي أن "واشنطن شجعت دمشق على النظر في إرسال قوات إلى شرق لبنان للمساعدة في نزع سلاح حزب الله"، وأن "القيادة السورية ترددت خشية الانجرار إلى حرب إقليمية وتأجيج التوترات الطائفية". وسارع المبعوث الأميركي إلى سوريا توم براك، حينها، إلى نفي التقرير، لكن مسؤول الدراسات الاستراتيجية في المعهد الديبلوماسي السوري عبيدة غضبان عاد لاحقاً ليؤكد أن دمشق رفضت طلباً أميركياً من هذا النوع، واضعاً الرفض في إطار التوازن الإقليمي ومنع هيمنة طرف واحد.
الفارق اليوم أن ترامب نفسه تبنى الفكرة علناً. ففي المرة السابقة استطاعت دمشق التعامل معها كتسريب قابل للنفي أو الاحتواء، أما الآن فإن الطرح يحمل ثقلاً سياسياً مختلفاً، ولا سيما إذا تحولت زيارة الشرع المرتقبة إلى محطة لبحث العقوبات وإعادة الإعمار والعلاقة مع إسرائيل وضبط الحدود والدور السوري في لبنان. عندها ستواجه دمشق سؤالاً يتجاوز "حزب الله" إلى طبيعة علاقتها الجديدة مع واشنطن.
إغراءات واشنطن وكوابح المغامرة
تحتاج السلطة الانتقالية إلى الولايات المتحدة في لحظة داخلية صعبة. فرفع العقوبات لا يزال يحتاج إلى ترجمة عملية، والاستثمارات الخارجية تتحرك بحذر، فيما تستمر الأزمة الاقتصادية في الضغط على الدولة والمجتمع. كما كشفت ملفات القمح وفيضان نهر الفرات والاحتجاجات المتقطعة هشاشة البنية الاقتصادية والخدمية.
لذلك قد ترى دمشق في أي تعاون مع واشنطن فرصة لتثبيت الاعتراف الدولي، وفتح أبواب التمويل، وتحسين شروطها في أي تفاوض أمني مع تل أبيب، وخصوصاً في ما يتعلق بالجنوب السوري والتوغلات الإسرائيلية.
وتملك دمشق أيضاً مصلحة مباشرة في إغلاق جزء من البنية التي ربطت سوريا سابقاً بـ"حزب الله" وإيران. فالنظام السابق جعل الأراضي السورية ممراً للسلاح والمال والمقاتلين نحو لبنان، بينما تحاول السلطة الجديدة تقديم نفسها كدولة تضبط حدودها وتمنع عودة الشبكات التي قد تجرها إلى حرب جديدة. ومن هنا جاءت التعزيزات على الحدود اللبنانية وحملات تفكيك الخلايا المرتبطة بـ"حزب الله" بوصفها رسائل موجهة إلى واشنطن والداخل السوري معاً.
لكن الانتقال من ضبط الحدود إلى تدخل مباشر داخل لبنان يفتح باباً مختلفاً تماماً. فـالجيش السوري الجديد لا يزال في طور التشكل، وتكوينه الفصائلي يثير أسئلة بشأن الانضباط والجاهزية وسلاسل القيادة. كما أن الفصائل التي قاتلت "حزب الله" خلال الحرب السورية تدرك أن أي مواجهة معه داخل لبنان لن تكون عملية سهلة أو محدودة. وإلى جانب ذلك، فإن أي انتشار سوري داخل الأراضي اللبنانية سيعيد إلى الواجهة ذاكرة الوجود السوري الطويل في لبنان، وسيمنح "حزب الله" وخصوم دمشق مادة لتصوير المشهد كعودة سورية بغطاء أميركي - إسرائيلي.

تركيا وحسابات التوازن الإقليمي
تتضاعف المخاطر عند البعد الطائفي. فدخول قوة سورية ذات غالبية سنية في مواجهة "حزب الله" قد يغذي سرديات الصراع السني - الشيعي في لبنان وسوريا معاً، في وقت تشهد فيه سوريا احتقاناً طائفياً ملحوظاً وتصاعداً في خطاب الكراهية. كما تستطيع إيران والعراق نقل الضغط إلى الحدود الشرقية أو إلى المصالح الأميركية والسورية، ما يحوّل أي دور سوري في لبنان إلى اشتباك إقليمي واسع.
وفي هذا المشهد يحضر العامل التركي بقوة. فأنقرة تنافس إيران، لكنها لا ترغب في هزيمة كاملة لـ"حزب الله" أو لـطهران تفضي إلى تفوق إسرائيلي مفتوح في المنطقة. لذلك يبدو حديث غضبان عن التوازن ومنع الهيمنة قريباً من الحسابات التركية. فإضعاف "حزب الله" قد يخدم دمشق وأنقرة ضمن حدود معينة، أما كسره بطريقة تمنح إسرائيل اليد العليا فقد يرتد على سوريا وتركيا معاً.
ويزداد المشهد تعقيداً لأن دمشق نفسها لا تبدو موحدة في نظرتها إلى "حزب الله". فهناك قادة وفصائل يحملون ذاكرة الحرب ويرون في مواجهته امتداداً للصراع السابق وفرصة لتثبيت شرعية القوة، في حين يعتبر تيار أكثر براغماتية أن الاشتباك مع "حزب الله" قد يتحول إلى فخ سياسي وأمني، وخصوصاً إذا استخدمت واشنطن أو إسرائيل الدعم كورقة ضغط دائمة.
هكذا يضع تصريح ترامب دمشق أمام معادلة شديدة التعقيد. فالقبول بدور واسع قد يمنحها مكاسب مهمة في واشنطن، من تخفيف العقوبات إلى توسيع الدعم السياسي والاقتصادي. لكنه في المقابل قد يفتح عليها جبهات لبنان وإيران والعراق والانقسام الطائفي والحسابات التركية والإسرائيلية دفعة واحدة. الفكرة خرجت من الظل، لكنها لم تدخل العلن كخطة جاهزة، بل كسؤال ثقيل حيال قدرة سوريا على تحويل موقعها الجديد إلى مكسب، من دون الانزلاق إلى مغامرة تتجاوز حدود قدرتها على الاحتمال.
نبض