حمد بن خليفة... الرجل الذي وضع قطر على الخريطة
برحيل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، تطوي قطر صفحة الحاكم الذي ارتبط اسمه بأكبر تحول في تاريخها الحديث. وصل إلى الحكم عام 1995، وكانت بلاده دولة خليجية صغيرة ذات حضور محدود خارج محيطها المباشر. وبعد 18 عاما، سلّم السلطة إلى نجله الشيخ تميم بن حمد، تاركاً دولة حاضرة في أسواق الطاقة، وعواصم القرار، وشاشات الإعلام، والجامعات الدولية، والمطارات العالمية، والملاعب الكبرى.
إنجاز "الأمير الوالد" الأهم تمثّل في جمع عناصر متفرقة ضمن مشروع واحد. الغاز وفّر الثروة، والإعلام منح قطر الصوت، والديبلوماسية صنعت لها الدور، والتعليم والاستثمار والرياضة رسخت صورتها في الخارج. بهذه الأدوات، تحولت الدولة الصغيرة إلى لاعب يفوق وزنها الجغرافي والديموغرافي.
الغاز قاعدة الصعود
شكّل الغاز الأساس الذي انطلقت منه رؤية حمد بن خليفة لبناء قطر الحديثة. فقد تعامل مع هذه الثروة باعتبارها نقطة بداية لمشروع دولة، لا مجرد مصدر للإيرادات، وسرّع تطوير صناعة الغاز الطبيعي المسال، وربط الإنتاج القطري بعقود طويلة الأمد مع الأسواق العالمية. وفي عام 1997، انطلقت أول شحنة قطرية من الغاز المسال إلى اليابان، قبل أن ترتفع الطاقة الإنتاجية إلى 77 مليون طن سنوياً بحلول عام 2010، لتصبح قطر أكبر مصدر للغاز المسال في العالم آنذاك.
وفرت عائدات الطاقة قاعدة مالية لمشاريع البنية التحتية والتنمية، كما دعمت إنشاء جهاز قطر للاستثمار عام 2005 لإدارة الفوائض وتنويع الأصول. ومع الوقت، تحولت الاستثمارات القطرية إلى حضور مؤثر في قطاعات العقارات والمصارف والتكنولوجيا والضيافة والبنية التحتية حول العالم.
وبذلك، تحولت الثروة الطبيعية إلى ركيزة لمشروع اقتصادي وسياسي أوسع، جعل من الاستثمار والانتشار الخارجي جزءاً من بناء المكانة الدولية لقطر.

الإعلام يصنع النفوذ
بعد عام واحد على وصول حمد بن خليفة إلى الحكم، انطلقت قناة "الجزيرة" عام 1996. كانت القناة من أكثر قرارات عهده تأثيراً، إذ نقلت اسم قطر إلى داخل كل بيت عربي تقريباً.
قدمت "الجزيرة" نموذجاً مختلفاً عن الإعلام الرسمي العربي الذي كان سائداً آنذاك، وفتحت شاشتها أمام الحكومات والمعارضات والتيارات المتخاصمة. أثارت تغطياتها أزمات متكررة مع عواصم عربية، ومنحت الدوحة قوة ناعمة واسعة وحضوراً يومياً يفوق إمكاناتها التقليدية.
قبل القناة، كان اسم قطر يرتبط أساساً بالطاقة ومجلس التعاون الخليجي. وبعدها، أصبحت الدوحة مقراً للمؤسسة الإعلامية العربية الأكثر تأثيراً وإثارة للجدل. بهذا المعنى، أدت "الجزيرة" وظيفة تتجاوز الإعلام، وصارت أداة لتضخيم صوت الدولة وتوسيع مجال تأثيرها.

ديبلوماسية تتجاوز الحجم
رسم حمد بن خليفة ملامح سياسة خارجية أكثر حضوراً، وأسند تنفيذها إلى وزير خارجيته الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني، الذي قاد شبكة من العلاقات والوساطات جعلت الدوحة لاعباً حاضراً في ملفات المنطقة.
أقامت الدوحة شراكة أمنية وثيقة مع الولايات المتحدة، واستضافت قاعدة العديد، وحافظت على علاقة عملية مع إيران. كما نسجت صلات مع حكومات وحركات وقوى سياسية متباينة، ما منحها قدرة على التواصل في ملفات يصعب على دول كثيرة دخولها.
خلال عهده، شاركت قطر في وساطات شملت لبنان والسودان وفلسطين واليمن، واستضافت مؤتمرات ومفاوضات ومبادرات ديبلوماسية. وتحولت الوساطة إلى إحدى علامات السياسة القطرية، وإلى وسيلة لتعزيز أمن الدولة عبر جعلها طرفاً مطلوباً في إدارة الأزمات.
أثارت هذه السياسة جدلاً واسعاً، خصوصا مع توسع دور الدوحة خلال الانتفاضات العربية. وفي المحصلة، انتقلت قطر من موقع المتابع إلى موقع الطرف المؤثر. صارت الدولة الصغيرة حاضرة في الملفات الكبرى، وأضحى حضورها مرتبطاً بقدرتها على التحدث مع أطراف متخاصمة.

التعليم والاستثمار والرياضة
شكّل التعليم أحد أبرز محاور مشروع حمد بن خليفة، وتولت زوجته الشيخة موزا بنت ناصر قيادته. ففي عام 1995، تأسست "مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع"، قبل أن تتوسع لاحقاً إلى منظومة تضم جامعات ومراكز أبحاث ومؤسسات تعليمية وثقافية وصحية.
وكانت "المدينة التعليمية" أبرز مشاريع المؤسسة، إذ استقطبت فروعاً لجامعات دولية، وفتحت أمام طلاب قطر والمنطقة فرص الدراسة في مؤسسات عالمية داخل الدوحة. وعكس هذا المشروع توجهاً نحو بناء رأس مال بشري يواكب اقتصاد المعرفة ويمنح التحول القطري بعداً يتجاوز الثروة الطبيعية.
وكما استُخدم الإعلام لتعزيز القوة الناعمة، والطاقة لبناء الاقتصاد، أدى قطاع الطيران دوراً مكملاً في توسيع الحضور القطري. فأُعيد إطلاق الخطوط الجوية القطرية بهوية جديدة عام 1997، وتحولت خلال سنوات إلى أحد أبرز الناقلات الجوية في العالم، وربطت الدوحة بعشرات الوجهات الدولية.
أما في الرياضة، فحقق الفوز باستضافة كأس العالم 2022 عام 2010 قفزة رمزية كبرى. استضافت قطر البطولة خلال عهد الشيخ تميم، فيما وُلد المشروع وحملته الدولية في عهد والده. شكّل المونديال ذروة استراتيجية تقوم على جذب العالم إلى الدوحة واستخدام الأحداث الكبرى لتثبيت اسم الدولة على الخريطة.
إرث مستمر
في حزيران/يونيو 2013، أعلن حمد بن خليفة تنازله عن الحكم لنجله الشيخ تميم. جاء انتقال السلطة منظماً، واستمرت معه ركائز المشروع السياسي والاقتصادي الذي تأسس خلال السنوات السابقة.
غادر الحكم وقطر في ذروة حضورها. كانت عائدات الغاز قد وفرت قاعدة مالية صلبة، و"الجزيرة" رسخت القوة الإعلامية، والاستثمارات صنعت شبكة مصالح دولية، والديبلوماسية منحت الدوحة دور الوسيط، والتعليم والطيران والرياضة وسعت مجالات الحضور.
لهذا يرتبط اسم حمد بن خليفة بقطر التي يعرفها العالم اليوم. فقد حوّل الثروة إلى مشروع، والمشروع إلى حضور، والحضور إلى نفوذ. ومع رحيله عن 74 عاماً، ينتهي فصل شخصي في تاريخ البلاد، فيما تواصل قطر التحرّك داخل الخريطة التي رسم خطوطها الكبرى قبل ثلاثة عقود.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
لون الحكمة والهدوء يخطف الأنظار بأناقته
نبض