من تونس إلى قرطاج... دعوات تدفع نحو نقل العاصمة التونسية أو تغيير اسمها
لا يقتصر النقاش العمراني في تونس على مشاريع تحسين البنية التحتية فقط، اذ يذهب إلى أبعد من ذلك متناولاً أسئلة استراتيجية تتعلق بهوية مركز الدولة، ومن بين هذه الأسئلة: هل تبقى تونس عاصمة سياسية كما هي اليوم؟ وهل هناك حاجة لنقلها؟ أو حتى تغيير اسمها؟
نقاش قديم
وفي الحقيقة، النقاش حول العاصمة تونس وضرورة نقلها أو تغيير اسمها ليس جديداً، وحصل في مناسبات عديدة ومنذ سنوات طوال وتناوله العديد من الدراسات وكان محور تصريحات رسمية أكدت أن الأمر مطروح على الطاولة للنقاش.

وتغيير العاصمة ليس بغريب عن تونس التي غيرت في أكثر من مناسبة عاصمتها بعد نقلها إلى القيروان في عهد الأغالبة، وإلى المهدية في عهد الفاطميين ليستقر الأمر على العاصمة الحالية مع دولة بني حفص (1229إلى 1574)، إذ اكتسبت المدينة منذ ذلك التاريخ ثقلها الإداري والاقتصادي، الذي تكرس بعد الاستقلال عام 1956.
انتهى دورها
تختلف القراءات والمواقف في ما خص العاصمة تونس. فالبعض يرى أن هناك حاجةً ضروريةً لنقلها إلى مكان آخر. أصحاب هذا الرأي يقولون إن العاصمة الحالية "انتهى دورها ولم تعد قادرةً على مواكبة التطورات التي يعرفها البلد بالنظر لحالة الاختناق التي باتت تعاني منها".
وفي تقدير هؤلاء ومنهم مهندسون وخبراء معماريون، فإن نقل العاصمة قد يكون خطوةً لإطلاق دينامية جديدة في البلاد، على غرار تجارب عالمية مثل برازيليا في البرازيل أو العاصمة الإدارية الجديدة في مصر.
وفي هذا السياق، تردد اسم القيروان في مناسبات عديدة خياراً بديلاً من العاصمة الحالية، ورأى البعض أن موقعها الجغرافي يمنحها أفضلية لتكون العاصمة التونسية الجديدة، وهو ما من شأنه أن يساعد على تقريب مختلف جهات البلد من بعضها.
لكن مجموعة أخرى تقترح أن تكون مدينة النفيضة الكائنة قرب محافظة سوسة بوسط البلاد عاصمة لتونس. وسبق أن أجريت دراسات في هذا الصدد اعتبرت موقع النفيضة الأمثل لأي بديل من العاصمة الحالية.
وفي تقدير هذه المجموعة، تشكو العاصمة التونسية الحالية من الاكتظاظ، علاوةً على أن مخططها العمراني الذي يعود الى حقبة الاستعمار الفرنسي لم يحمل نظرةً استشرافيةً، كما أكد ذلك المخطِّط العمراني عيسى البكوش الذي أشار الى وجود مطار بمنطقة النفيضة يجعل منها "البديل الأمثل لعاصمة متكاملة وجذابة تجمع بين الوظائف الاقتصادية والإدارية والترفيه".
وفي عام 2018، كشف المحافظ السابق لبن عروس (إحدى محافظات تونس الكبرى) عبد اللطيف الميساوي عن انطلاق الدراسات الخاصة بإنجاز العاصمة الادارية والاقتصادية الجديدة، وقال إنها ستمتد على مساحة 2500 هكتار بمنطقة المحمدية بولاية بن عروس.
وأوضح في تصريحات للإعلام التونسي حينها أن "هذه الفكرة أتت بعد حالة الاشباع التي وصلت إليها العاصمة بولاية تونس"، مشيراً إلى أن من ميزات العاصمة الجديدة أنها ستمكن سائر الوزارات من مدخرات عقارية مهمة.
تغيير الاسم
لكن التكلفة المادية لنقل العاصمة التونسية من مكانها الحالي إلى أي مدينة أخرى تجعل البعض يقول إنها غير قابلة للتطبيق، خصوصاً أن مشروعاً كهذا يتطلب موازنة كبيرة يعجز البلد حالياً عن توفيرها.
ويعارض البعض نقل العاصمة إلى القيروان، مؤكداً أن ذلك"سيفتح نقاشاً أيديولوجياً في شأن مكانة القيروان ورمزيتها"، وفق تقدير المحلل السياسي منذر ثابت.
في المقابل، تراهن مجموعة أخرى على تغيير اسم العاصمة التونسية الحالي من تونس إلى قرطاج.
ويقول منذر ثابت، وهو من بين أول المنادين بهذا التغيير بصفته أميناً عاماً للحزب الاجتماعي التحرري، إن "العاصمة التونسية بحاجة لتغيير اسمها وذلك ضمن استراتيجية اتصال تسوق للبلد وتنهل من موروثه".
ويوضح في تصريح لـ"النهار" أن تغيير اسم العاصمة من تونس إلى قرطاج سيحمل العديد من الدلالات باعتبار عمق التراث المؤسساتي في قرطاج صاحبة أول دستور في العالم، مؤكداً أن هذا الاسم "سيرسخ تونس ضمن هويتها القرطاجنية".
ويقول إن العودة إلى اسم قرطاج يحمل العديد من الرسائل في مرحلة يشهد فيها العالم حرب هويات، إذ يؤكد اعتزاز التونسيين بهويتهم القرطاجنية وبتاريخهم الممتد على أكثر من 3 آلاف سنة.
ويرى أن الاتفاق على هذا الاسم سيعزز حضور تونس دولياً واجهة مضيئة في التاريخ.
لكن ثابت يشدد على أن هذا القرار يتطلب توافقاً واجماعاً شعبياً ورسمياً بعيداً عن كل التجاذبات السياسية والأيدلوجية.
ورغم جاذبية فكرة نقل العاصمة أو تغيير اسمها، فإن ما قد يبدو مقترحاً يستمد وجاهته من الجغرافيا والتنمية والتاريخ قد يتحول إلى سجال يقسم التونسيين حول الهوية والأيديولوجيا.
نبض