حين تتباين الإجابات: الذكاء الاصطناعي وصراع الروايات السياسية.. الصين نموذجاً

حين تتباين الإجابات: الذكاء الاصطناعي وصراع الروايات السياسية.. الصين نموذجاً

تُظهر الفروقات في إجابات النماذج حول الموضوعات الحساسة أن "المعلومة" لم تعد ثابتة أو محايدة بالكامل، بل قد تتغير، ما يثير تساؤلات أعمق حول مفهوم الحقيقة اليوم.



حين تتباين الإجابات: الذكاء الاصطناعي وصراع الروايات السياسية.. الصين نموذجاً
تعبيرية (صراع الروايات السياسية) / ذا إيكونوميست.
Smaller Bigger

لم تعد روبوتات الذكاء الاصطناعي تقدّم الإجابة نفسها للجميع. فالمحادثة ذاتها (عن الصين مثلاً) قد تنتج روايتين مختلفتين تماماً بحسب اللغة المستخدمة أو الدولة التي يعمل منها المستخدم. ومع اتساع الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي في البحث والتحليل، بدأت التساؤلات حول مدى حياد هذه النماذج تظهر، كذلك حول ما إذا كانت تعكس الحقائق فعلاً أم تتأثر بالبيئة السياسية والإعلامية التي صُمّمت داخلها.

 

على ضوء ذلك، يثار اليوم نقاش واسع حول الطريقة التي تجيب بها روبوتات الذكاء الاصطناعي عن الأسئلة المتعلقة بالصين، بعدما لاحظ قرّاء ومستخدمون اختلافات واضحة في الردود بحسب اللغة والمكان الذي تُستخدم فيه هذه النماذج. فالإجابات، التي تقدّمها روبوتات الدردشة، قد تتبدل بشكل ملحوظ بين الصين وخارجها، سواء بسبب البيانات التي تدرّبت عليها النماذج أم بسبب القيود والتعليمات التي تُفرض عليها لاحقاً.

مرحلة "ما بعد التدريب"

 

الباحثة مولي روبرتس، المشاركة في دراسة نشرتها مجلة Nature حول تحيزات نماذج الذكاء الاصطناعي، أوضحت بأن الاختلافات في الاجابات لا ترتبط فقط ببيانات التدريب، بل أيضاً بما يعرف بمرحلة "ما بعد التدريب"، حيث تُعطى النماذج تعليمات حول ما يمكن قوله أو تجنبه بما يتوافق مع القوانين أو السياسات المحلية.

وبحسب روبرتس، فإن الذكاء الاصطناعي لا يعكس فقط المعلومات التي تعلّمها، بل أيضاً ما تطلبه السلطات أو الشركات المطوّرة من النموذج أن يخفيه أو يخفّف من حدّته.

 

أثر الذكاء الاصطناعي على ثقة المستخدم (وكالات)
أثر الذكاء الاصطناعي على ثقة المستخدم (وكالات)

 

 

تأثير المستخدم

 

على خطٍ موازٍ، المستخدم نفسه يمكن أن يؤثر في إجابات الروبوت. فقد روى المستثمر الأميركي تشاس غايل أنه سأل أوبن أيه آي عبر شات جي بي تي عمّا إذا كانت الصين ديمقراطية مثل الدول الغربية. ووفقاً لما نقل تقرير لـ"وول ستريت"، في البداية، كانت الإجابة من خلال مقال دقيق قارن فيه سياسياً. وذكر البرنامج أن منظمة فريدوم هاوس تصنف الصين دولة "غير حرة"، لكن النظام يوفر "مساءلة عن الأداء" و"رضا شعبياً مرتفعاً".

ولكن عندما اعترض تشاس، قائلاً للبرنامج إنه يعتقد أنه تأثر بالدعاية الصينية، اعتذر شات حي بي تي في غضون ثوانٍ. وعندما طلب منه تشاس "أن يبقى موضوعيًا تمامًا"،قال: "كان ينبغي أن أكون أكثر وضوحًا منذ البداية. قد تقدم الصين نموذجًا بديلًا قويًا لقدرة الدولة، لكنها لا تقدم بديلًا ديمقراطيًا".

 

يأتي هذا النقاش في ظل تنامي المنافسة العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي، وفي وقت تستعد فيه شركات مثل أنثروبيك وأوبن أيه آي لخطوات توسّع وتمويل جديدة، بينما تسعى الصين إلى دعم شركاتها مثل ديبسيك لتحقيق الاكتفاء التكنولوجي.

 

 

 

الذكاء الاصطناعي يناقض نفسه؟

 

في حالة أخرى، ذكرها التقرير أيضاً، قام المستخدم جيف، من كاليفورنيا، بترجمة مقال رأي بعنوان "المستقبل ليس صينياً"، ثم أرسله إلى مجموعة على تطبيق WeChat، تضمّ زملاءه القدامى في المدرسة الثانوية في الصين. وجاء الرد سريعاً وحاداً. فقد طلب أحد أصدقائه، بحسب ما رواه جيف، من نموذج الذكاء الاصطناعي الصيني ديبسيك أن يكتب رداً مضاداً للمقال بنفس أسلوبه، فاستجاب النظام بالفعل، وأنتج مقالاً بعنوان "المستقبل لا يعود لأميركا".

 

وضمن الرد تساءل ديبسيك: هل يمكن تسمية نجم سينمائي أميركي لا يعتمد نجاح أفلامه على السوق الصينية؟ وخلص المقال إلى القول: "بصراحة، لا يمكنك تسمية واحد". لكن جيف قام بخطوة مختلفة لاحقاً. فمن مكتبه في كاليفورنيا، دخل إلى النموذج نفسه ديبسيك الذي استخدمه صديقه في الصين، وأدخل النص نفسه وطلب من النموذج التحقق من صحة الادعاءات الواردة فيه.

هذه المرة، قدّم النموذج تفنيداً حاداً، إذ أشار إلى انتقائية في استخدام البيانات، ومغالطات منطقية، والتقليل من شأن الخصم. وذكر أن فيلم Top Gun: Maverick حقق نحو 1.5 مليار دولار عالمياً في عام 2022 من دون أن يُعرض في الصين. وختم النموذج حكمه بأن الرد السابق كان مفعماً بالعاطفة، ويستخدم البيانات بشكل انتقائي، ويحتوي على أخطاء واقعية ومغالطات منطقية متعددة.

 

 

الحقيقة في عصر الذكاء الاصطناعي

 

 

من الواضح أن نماذج الذكاء الاصطناعي تحولت إلى ساحة غير مباشرة للتنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين، إذ لم تعد هذه الأدوات مجرد أنظمة تقنية للإجابة عن الأسئلة، بل أصبحت تعكس، بدرجات مختلفة، السياقات السياسية والثقافية التي تُطوَّر داخلها. وتُظهر الفروقات في إجابات النماذج حول الموضوعات الحساسة أن "المعلومة" لم تعد ثابتة أو محايدة بالكامل، بل قد تتغير، ما يثير تساؤلات أعمق حول مفهوم الحقيقة في عصر الذكاء الاصطناعي.

 

هذا التباين ينعكس مباشرة على ثقة المستخدمين، إذ يدفع البعض إلى التعامل مع هذه الأدوات كمصادر معرفية متغيرة تحتاج إلى التحقق وليس كمرجع نهائي، خاصة عندما تتداخل فيها السرديات السياسية.

 

في المحصلة، فإن اختلاف إجابات الذكاء الاصطناعي لا يعكس فقط تنوعاً تقنياً، بل يفتح نقاشاً أوسع حول طبيعة الحقيقة نفسها في العصر الرقمي، وحول الدور المتزايد لوعي المستخدم في تفسير المعرفة بدل تلقيها بشكل مباشر، لأن وعي المستخدمين هو الأساس.

الأكثر قراءة

فن ومشاهير 5/21/2026 8:31:00 AM

اتّسمت الحلقة الثانية من مرحلة المواجهات بأجواء حماسية، مع استمرار النجوم المدرّبين رامي صبري وداليا مبارك والشامي في اختيار الأصوات المتأهلة إلى المرحلة المقبلة.


موضة وجمال 5/26/2026 10:26:00 AM
يبدو أنّ اللون الأزرق بات يحتلّ مساحةً أساسية في اختيارات الملكة رانيا وقد برز ذلك جليّاً خلال إطلالاتها الأخيرة.
موضة وجمال 5/26/2026 11:06:00 AM
أتت هذه الإطلالة اللافتة للأميرة رجوة في أول مشاركة لها في احتفال عيد الاستقلال السنوي بعد ولادة الأميرة إيمان.