لم يعد الفضاء مجرد مجال للاتصالات والمراقبة وتوفير خدمات الملاحة، والسبب أنه يتحوّل تدريجياً إلى ميدان تتنافس فيه الدول على امتلاك قدرات قد تمنحها تفوقاً عسكرياً حاسماً. وما كان يبدو قبل عقود مشروعاً طموحاً أقرب إلى الخيال العلمي، بات اليوم أقرب إلى واقع تفرضه التطورات المتسارعة في تكنولوجيا الأقمار الاصطناعية والأنظمة الفضائية.
في أوائل ثمانينيات القرن الماضي، أعلن الرئيس الأميركي رونالد ريغان مشروع "حرب النجوم"، في إطار استراتيجية عسكرية لمواجهة الاتحاد السوفياتي. وكان التصور يقوم على تطوير منظومة فضائية تضم أقماراً اصطناعية قادرة على رصد واعتراض الصواريخ الباليستية، ضمن سباق التسلح النووي بين القوتين.
آنذاك، اعتبر البعض أن المشروع كان، في جانب منه، وسيلة لاستنزاف الاتحاد السوفياتي اقتصادياً، إذ كانت واشنطن تدرك أن موسكو ستجد صعوبة في مجاراة الكلفة التكنولوجية والمالية لهذا السباق. ومع انهيار الاتحاد السوفياتي، تراجع المشروع وتوقفت خططه بصورتها الأصلية.
يرى الباحث في الشؤون العسكرية والاستراتيجية مصطفى الأسد أن ما كان يبدو حينها بعيد المنال أصبح اليوم أقرب إلى قدرة فعلية. ويقول في حديث مع "النهار" إن الولايات المتحدة باتت قادرة على امتلاك تكنولوجيا فضائية تسمح بتنفيذ عمليات هجومية بوساطة الأجسام الموجودة في المدار، سواء لتعقب أقمار معادية لها أو تعطيلها، أو لتنفيذ عمليات تشويش ومراقبة مستمرة.
التقط القمر التابع لشركة روكيت لاب هذه الصورة للقمر التابع لشركة ترو أنومالي. حقوق الصورة: روكيت لاب
"القط والفأر"
أواخر الشهر الماضي، أجرت الولايات المتحدة للمرة الأولى، ضمن مناورة عسكرية معلنة، تجربة تحاكي لعبة "القط والفأر" في المدار، إذ تعقّب قمران تابعان لشركتين أميركيتين (True Anomaly وRocket Lab) بعضهما بعضاً، واقترب أحدهما من الآخر لالتقاط صور وفحصه. وجرت المناورة ضمن مهمة "Victus Haze" التابعة لقوة الفضاء الأميركية، لتظهر التجربة كيف يمكن مستقبلاً استخدام أقمار سريعة الاستجابة لملاحقة أقمار معادية أو مراقبتها، وربما التعامل معها في حال تطور النزاع.
جزء من المعركة
تكشف التطورات الأخيرة، بحسب الأسد، عن الأهمية العسكرية المتزايدة للتكنولوجيا الفضائية. ومن أبرز الأمثلة طلب الولايات المتحدة إلى شركات الأقمار الاصطناعية التجارية التوقف عن نشر صور لمساحات في المنطقة، بعدما أصبحت هذه الصور تُستخدم من جانب إيران لأغراض عسكرية. وتكرّر طلب مماثل إلى شركات أوروبية، في مؤشر إلى أن الصور التي صممت أساساً لأغراض مدنية أصبحت تتمتع بدقة وقيمة تجعلانها قابلة للتوظيف في العمليات العسكرية.
ولا تقتصر أهمية الأقمار الاصطناعية على التصوير. فالأقمار المخصصة للاتصالات والمراقبة والاستطلاع توفر للجيوش معلومات تساعدها على تحديد الأهداف ومتابعة التحركات والسيطرة على العمليات في ساحات القتال.
وهنا تظهر أهمية الخطوة الأوكرانية التي أشار إليها الأسد، والمتمثلة في الإعلان عن تطوير أنظمة صاروخية لاعتراض وتدمير الأقمار الروسية المستخدمة في التجسس والاتصالات.
فبالنسبة إلى أوكرانيا، لا تنفصل هذه الأقمار عن المعركة على الأرض، إذ تمنح روسيا قدرة أكبر على الاستطلاع وتحديد الأهداف وإدارة العمليات. وبالتالي، فإن تعطيلها أو تدميرها يمكن أن يؤثر مباشرة في القدرات العسكرية الروسية.
ويرى الأسد أن مجرد وصول أوكرانيا إلى مرحلة الإعلان عن تطوير هذه الأنظمة يعكس أن فكرة استهداف الأجسام الموجودة في المدار لم تعد بعيدة كما كانت في السابق، رغم التعقيدات التقنية الكبيرة المرتبطة بملاحقة جسم يتحرك في الفضاء واعتراضه.
سباق جديد فوق الأرض
استهداف الأقمار الاصطناعية لا يعني فقط تعطيل وسيلة اتصال أو مراقبة، بل يمكن أن يصبح جزءاً من سباق أوسع للسيطرة على الفضاء.
وبحسب الأسد، تمتلك الولايات المتحدة والصين وروسيا واليابان قدرات متقدمة في هذا المجال، فيما تواجه أوروبا فجوة متزايدة نتيجة تراجع الاستثمارات والمخصصات الموجهة إلى بعض مشاريعها الفضائية.
ولا يقتصر التنافس على القدرة على إسقاط الأقمار الاصطناعية. فمنذ سنوات، ظهرت في الصين وكوريا الشمالية مجسمات لصواريخ فضائية يُشار إليها باسم "Carrier Killer"، أو "قاتلة حاملات الطائرات". تقوم الفكرة، وفق الأسد، في تثبيت الصاروخ في المدار على متن محطة قاذفة تشبه الأقمار، ثم يجري استخدامه عند الحاجة لتدمير حاملات الطائرات بحيث تشكل سرعته وطريقة انزلاقه نحو الهدف العامل الجوهري لإنجاح المهمة. إذ لا يمكن اعتراضه أو رصده أو معرفة مساره إلا في المرحلة القاتلة (terminal decent).
حين تصبح التكنولوجيا المدنية عسكرية
في الوقت نفسه، يتداخل القطاع الفضائي التجاري بشكل متزايد مع الاحتياجات العسكرية.
ويشير الأسد إلى مشاركة شركات ومؤسسات مدنية وشبه عسكرية في الولايات المتحدة في تطوير حلول للبنتاغون ذات استخدامات فضائية، مع تخصيص مبالغ ضخمة خلال السنوات المقبلة لتطوير أجسام قادرة على تنفيذ مهمات غير تقليدية. لكن طبيعة هذه المهمات ليست معلنة بالكامل، ما يترك الباب مفتوحاً أمام احتمالات متعددة، من التجسس والاستطلاع إلى تنفيذ عمليات أكثر مباشرة في حال تطورت العقيدة العسكرية الخاصة بالفضاء.
ويبرز هنا اسم SpaceX، التي أصبحت منظومة Starlink التابعة لها مثالاً واضحاً لقيمة البنية التحتية الفضائية التجارية في العمليات العسكرية. فقد أظهرت الحرب في أوكرانيا أن الاتصالات الفضائية يمكن أن تتحول إلى عنصر مؤثر في سير العمليات على الأرض، وأن الحدود بين التكنولوجيا المدنية والعسكرية لم تعد واضحة كما كانت سابقاً.
من "حرب النجوم" إلى حرب في المدار
بعد أكثر من أربعة عقود على مشروع ريغان، يبدو أن مسألة عسكرة الفضاء في الواجهة أكثر من أي وقت مضى. فالتطور في الأقمار الاصطناعية والاتصالات والذكاء الاصطناعي وأنظمة التتبع جعل الفضاء أكثر أهمية بالنسبة إلى الجيوش الحديثة.
لكن ذلك لا يعني أن حرباً شاملة في الفضاء أصبحت حتمية. ما يتغير هو طبيعة الصراع نفسه: تعطيل الأقمار، التشويش على الاتصالات، مهاجمة أنظمة الاستطلاع، أو استخدام الفضاء لتوجيه العمليات على الأرض؛ كلها أصبحت احتمالات تدخل في الحسابات العسكرية للدول الكبرى.
وبالنسبة إلى الأسد، فإن "المستقبل سيجعل من الفضاء مسرحاً للمعارك وقد تكون البادرة على يد أوكرانيا"، خصوصاً إذا تحولت التهديدات المعلنة إلى قدرات عملياتية فعلية.
فالمعركة المقبلة قد لا تبدأ بإطلاق صاروخ من الأرض، بل ربما بمحاولة إسكات قمر اصطناعي يدور فوقها. والفضاء، الذي كان لعقود مجالاً للتعاون والاتصالات والاستكشاف، قد يصبح تدريجياً مسرحاً جديداً لصراعات لا تنتهي.
شطب الأصفار قد يجعل التعامل بالليرة أكثر سهولة، لكنه لا يعيد إليها الثقة. فاستعادة هذه الثقة تتطلب معالجة الأسباب التي أدت إلى انهيارها، لا إعادة ترتيب الأرقام على الأوراق النقدية.
أكّد الوزير رجي لـ"النهار": "ان هذه المسألة لا تحتمل أي اجتهاد أو تأويل، وبمجرد إعلان أي ديبلوماسي شخصاً غير مرغوب فيه، يتوجب عليه مغادرة أراضي الدولة المضيفة، ولا يعود لأي تأشيرة أو إذن دخول أو إقامة مُنح له سابقاً أي أثر قانوني يجيز استمرار وجوده على أراضيها".