06-05-2023 | 06:10

لماذا أحبّ أفلام Dragon Ball؟

لم يأت "غوكو"، لكن الأمل بمجيئه أو تقليده كان يكبر بداخلي وتمنيت مرة أخرى تقليده في ليلة من الليالي.
لماذا أحبّ أفلام Dragon Ball؟
Smaller Bigger

في محافظة الديوانية جنوب العراق، وتحديداً في منطقة حي الوحدة، بدأت طفولتي مع دخول القوات الأميركية إلى العراق وإطاحة نظام صدام حسين، وتحوُّل مدينتي إلى ساحة معارك بين الأميركيين وميليشيات مسلّحة يقودها مقتدى الصدر. في تلك المدينة كانت الحياة قاسية ومليئة بالشرّ، الشرّ الذي قادني إلى أفلام الكرتون مثل Dragon Ball. كنت آنذاك أخرج من المنزل للذهاب إلى المدرسة مع حقيبتي التي احتوت الكتب وسندويشَ أعدته لي والدتي مع علبة عصير "داليا" الذي طالما أحبّه أطفال الجنوب. وكنت في المدرسة أيضاً أقلّد حركات "غوكو"، بطل فيلم "دراغون بول".

حاولتُ مراراً أن أظهر قدراتي الخارقة مثل "غوكو"، لكنني كنت أفشل في ذلك. في الاستراحة القصيرة بين الحصتين الدراسيتين كنت أصرخ مثلما كان يفعل هو في أفلام الكرتون. لكن ذات مرة لم يعد صوتي مسموعاً مع ارتفاع حدّة المواجهات المسلّحة بين القوات الأميركية وعناصر الصدر. في تلك اللحظة أُصيب ابن خالي بطلقةٍ طائشة في قدمه نُقِل على إثرها إلى المشفى. كنت تائهاً يومها، ولم تنفعني كل محاولات تقليد "غوكو" الذي ينتصر على الشر. يومها عدت إلى المنزل وتابعته مجدداً على شاشة التلفاز وكأن شيئاً لم يكن!
 
كانت الفرحة تعم أرجاء المدرسة مع قرع جرس نهاية الدوام. كنتُ وأصدقائي في الشارع ذاته عائدين مشياً إلى منازلنا بأمان، وفجأة رأينا صندوقاً كرتونياً بجانب جدار أحد المنازل. من فضولنا الطفولي اقتربنا منه لمعرفة ما يحتويه وقد ركلته مع زملائي إلى حين سمعنا جميعاً صوتاً غريباً كان يشبه صوت فتح قنينة الكولا. ركض حينها مسلّحون ملثّمون إلينا وصرخوا: "ولك عبّاس العبوة خربَت"، في إشارة منهم إلى أنها عبوة ناسفة لم تنفجر. لم يكترث الملثّمون بأمننا ولم يصرخوا حفاظاً على حياتنا. كل ما كان في الأمر أن العبوة "خربَت"! كنت حائراً وخائفاً ومصدوماً مما جرى. لكنني أكملت طريقي إلى البيت لمشاهدة "دراغون بول" كي أحفز الأمل المتبقي في داخلي بانتصار الخير على الشر بقدرات البطل الخارقة!
 
وصلت المنزل بعدها وكانت والدتي بانتظاري لتعد لي الطعام وفي عينيها نظرات الخوف والحيرة من الواقع المجهول الذي نعيشه. شاهدتُ كرتوني المفضل وتحممت وخلدت إلى النوم. ومن ثم صحوت باكراً للاستعداد إلى المدرسة ورأيت والدتي وهي تنظف كاراج المنزل من شظايا سقطت عنده جراء انفجار عبوة ناسفة ليلاً، كانت معدّةً لضرب رتل أميركي وسط الحي السكني الذي نعيش فيه. كان من الصعب التمييز بين قوى الشر وقوى الخير، ولكن كنا قد تعلمنا بأن المحتل لا يجلب الخير مهما فعل. كان الأميركيون والبولنديون في مدينتي يسيطرون على الأمن ويرمون لنا من سياراتهم العسكرية العصائر، السكاكر، الطعام العسكري، والدولارات (!)، بينما الطرف الآخر كان يرمي علينا شظاياه ورصاصاته التي كانت تمثل الشر على باب كافتيريا والدي التي يجلب لنا من خلالها قوتنا اليومي!
 
يا "غوكو" كيف أُميز بين الشر والخير كما تفعل أنت؟ هل يجب أن أتقدم بالعمر كي أمتلك قدراتك الخارقة؟ هل أستطيع لقاءك يوماً ما لتعلمني على حركاتك؟ هل تستطيع الاستمرار في بث الأمل بداخلي؟ هذه كلها تساؤلات كنت أطرحها بيني وبين شاشة التلفاز المتهالك الذي كان يعمل بقدرة قادر!
 
لم أحظَ بفرصة للتفاعل مع مسلسل "عهد الأصدقاء" أو "أنا وأخي" مثلاً، لم أجد الأولوية في أن أشاهد كرتوناً يتكلم عن الصداقة بقدر ما كانت أولويتي قبل كل شيء الحفاظ على حياة الأصدقاء من الانفجارات المتتالية، يا "غوكو" هل ستأتي لإنقاذ ألفريدو وروميو من العبوات الناسفة التي لا تفسد؟
 
لم يأت "غوكو"، لكن الأمل بمجيئه أو تقليده كان يكبر بداخلي، وتمنيت مرة أخرى تقليده في ليلة من الليالي. كالعادة لا تيار كهربائي وطقس لا يرحم من شدة حرارته، ولم يكن الحل حينها سوى أن ننام في كاراج المنزل حيث نسمات الهواء التي تجلب معها رائحة البارود، غير آبهين بشظايا الشر التي تتساقط يومياً على المنزل.
 
أنا وإخوتي غارقون في نومٍ عميق إلا والديّ، كانا مغمضي العينين لكنهما لم يستطيعا النوم حرصاً على تمتعنا بنوم هادئ. الحرص الذي لم يجدِ نفعاً مع قصف جوي مفاجئ للقوات الأميركية في منتصف الليل. قصف عنيف أراني دموع والدتي كيف تجري وترديدها لجملة لن أنساها "الله يقويك يابوية" حيث قلقت بشأن "جدي" الطاعن بالسن الذي كان ينام في كرااج منزله أيضاً. لا أنسى كيف احتضننا والدي وأدخلنا إلى منزلنا. في تلك اللحظات لم يكن لدي شعور غير دموع مكبوتة وحسرة كبيرة لعدم قدرتي على فعل شيء ينقذ الموقف كما يفعل بطلي الكرتوني، لتنقضي الليلة بهدوء ما بعد القصف ونكمل نومنا ويكمل والداي صحوتهما حتى أصبحنا معتادين على هذه المشاهد في أيام متتالية!
 
تقدم بي العمر ونضجت وأصبحت على دراية أن "غوكو" لن يأتي، وأن قوى الشر هي تلك التي تحمل سلاحاً خارج إطار الدولة، وتتظاهر بالعداء للقوى الأجنبية، لكنها تجالسها في غرف سرية، وأن "غوكو" إذا أراد المجيء لإنقاذنا فسيتم اغتياله بكاتم للصوت لن تقدر قواه الخارقة على صدّه، أو اقتياده لإحدى المزارع ودفنه حياً، أو يُغيّب. أما روميو وألفريدو فلن يسلما من اتهامات الأشرار لهما بالعمالة والتآمر في حال مساندتهم لبطلهم المنقذ، وسيجدون أنفسهم مطاردين في وطنهم أو مُبعدين خارجه.
 
لكن ما بقي لدي من تلك الطفولة، هو ذلك الأمل. الأمل الذي لن ينطفئ بداخلي ويزيد توهجاً يوماً بعد يوم بإنهاء قوى الشر وانتصار قوى الخير على كل من يعبث بأمن البشر. وأن الأمر الخارق الذي كنت أحاول فعله لم يكن بالضرورة شرارةً أو ضوءاً يشع من جسدي، بل كان تعبيراً مجازياً عما يستطيع فعله الإنسان الحالم. وجدت في النهاية أن الخارق الذي عملته هو هجرتي مجبراً في سن الـ20 من بلدي العراق من أجل هدفٍ رُسِم لنشر السلام.
 
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

ثقافة 4/19/2026 8:10:00 PM
إيرادات "سوبر ماريو غالاكسي" تقترب من 750 مليون دولار عالمياً.
ثقافة 4/20/2026 10:31:00 PM
لماذا يبدو "سوبر ماريو" معاصراً؟
ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
أفادت الخدمة السرية الأميركية بأن المشتبه به، الذي كان مسلحاً ببندقية، حاول اختراق الإجراءات الأمنية، قبل أن يتم توقيفه.