كيف تكون الاتفاقيّة الدفاعيّة بين واشنطن والرّياض؟
كجزء من صفقة محتملة لتطبيع العلاقات بين المملكة العربية السعودية وإسرائيل بوساطة أميركية، يناقش مسؤولون أميركيون وسعوديون شروط اتفاقية دفاعية مشتركة قد تكون مماثلة لمعاهدات الدفاع التي عقدتها الولايات المتحدة مع كل من اليابان وكوريا الجنوبية. والواقع أن هذا الترتيب الدفاعي الاستراتيجي مع واشنطن هو الشرط الأول لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان للتطبيع مع إسرائيل.
مع ذلك، تدرس إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن نماذج خاطئة لعلاقة أمنية مطورة مع المملكة. وفي وقت تبقى المادة الخامسة من ميثاق "منظمة حلف شمال الأطلسي" (الناتو) الالتزام الأمني الأميركي الأكثر صرامة، ليست المعاهدات التي أبرمتها واشنطن مع طوكيو وسيول متخلفة كثيراً من حيث الأهمية الاستراتيجية والقوة العسكرية والمصداقية السياسية.
وحتى أبسط الأوصاف للتحالفين الأميركيين الآسيويين تلقي الضوء على حجم التحدي الذي تواجهه واشنطن والرياض في تطوير اتفاق مماثل. ولا يقتصر الأمر على ما تنص عليه الاتفاقيتان الدفاعيتان مع طوكيو وسيول، بل يشمل ما تنطويان عليه عملياً. فما هي مؤسسات وعمليات التعاون الأمني التي ترتكز عليها صفقة دفاع أميركية سعودية؟
قد تتوصل الدولتان إلى اتفاقية دفاعية ذات مظهر أفضل، وإن كانت تحتوي على لغة مشابهة للمادة الخامسة من ميثاق الحلف. لكن إن لم تكن مبنية على أسس واضحة ولا تحدد أدوات تنفيذ وآليات استشارية، فما الفرق الذي قد تحدثه؟
يكمن أحد الأسباب الرئيسية لنجاح التحالف بين الولايات المتحدة واليابان في النضج المؤسسي. وتمهد اللجنة الاستشارية الأمنية، المؤلفة من وزيري الخارجية والدفاع الأميركيين ونظيريهما اليابانيَين، طريقاً استراتيجياً للتحالف. ويلقى ذلك دعم لجنتين فرعيتين، هما اللجنة الفرعية الأمنية واللجنة الفرعية للتعاون الدفاعي. وتمثل اللجنة الأولى نسخة عن اللجنة الاستشارية الأمنية لكن على مستوى سكرتير مساعد، في حين تركز الثانية على القوة والتخطيط لحالات الطوارئ. إلى جانب اللجنتين، وضعت واشنطن وطوكيو أطراً للتنسيق والتعاون الثنائي في شؤون الدفاع والأمن التي تؤثر على المصالح الأميركية واليابانية.
ويبدو التحالف بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية أكثر إثارة من حيث التطور المؤسسي. وعام 1969، أنشأت الدولتان نظاماً استشارياً يُعرف باسم "الاجتماع الاستشاري الأمني"، بقيادة وزير دفاع كوريا الجنوبية ونظيره الأميركي، وذلك بهدف توفير آلية تمكّن الجهتين من إصدار توجيهات موحدة لجيوشهما.
وطُور الاجتماع الاستشاري الأمني إلى اجتماع للجنة العسكرية، ما أدى إلى إنشاء منتدى لقادة الدفاع، من أجل التشاور بشأن كيفية تنفيذ التوجيهات الاستراتيجية التي خلص إليها الاجتماع الاستشاري على نحو أفضل، بالإضافة إلى تقديم توصيات مشتركة للاجتماع الاستشاري الأمني وسلطات القيادة الوطنية المعنية.
وفي الاجتماع الاستشاري الأمني العاشر الذي عقد عام 1977، شُكلت قيادة قوات مشتركة، بقيادة جنرال أميركي ونائب كوري من الرتبة نفسها، لتصبح القيادة الدفاعية الأكثر تكاملاً في العالم. وأعقب ذلك هياكل تنسيق مشتركة أخرى، كانت حاسمة للحفاظ على المصالح الأمنية للدولتين والسلام على طول المنطقة التي نزع منها السلاح.
هل ثمة من يعتقد أن واشنطن والرياض قادرتان على إعادة إنشاء مؤسسات وإجراءات تعاون مماثلة لتلك التي توصلت إليها الولايات المتحدة مع كل من اليابان وكوريا الجنوبية؟ مع مرور الوقت، قد يصبح ذلك ممكناً، لكن في الوقت الحالي، تبدأ الدولتان من الصفر. وفي غضون ذلك، تراقب إيران التطورات وتواصل تهديد جارتها السعودية وتحاول الهيمنة على المنطقة.
والواقع أن النماذج الأكثر واقعية لتعزيز العلاقة الأمنية بين الولايات المتحدة والسعودية هي أوكرانيا وإسرائيل. ولم تبرم الولايات المتحدة اتفاقيات دفاع رسمية مع هذين الشريكين، لكن هل من أحد يشكك في التزام الولايات المتحدة بأمن إسرائيل، أو في تكثيف جهودها لدعم أوكرانيا في حربها ضد روسيا؟
أقترح إنشاء إطار دفاع استراتيجي جديد مع المملكة العربية السعودية. ولا يشكل ذلك تحالفاً رسمياً، بل خريطة طريق، مماثلة لتلك التي وضعت بين الولايات المتحدة وأوكرانيا، لرفع مستوى الشراكة الأمنية بطرق تعيد تأكيد المبادئ الأساسية وتحدد أهدافاً واضحة وقابلة للتحقيق في إطار العلاقة الدفاعية الثنائية.
وفي ظل هذه الظروف الأمنية الجديدة، يمكن التفكير في الدفاع الجوي والصاروخي المتكامل، والتخطيط المشترك لحالات الطوارئ، فضلاً عن إنشاء خلية مشتركة بشأن التهديد الذي تمثله إيران والحوثيون. ومن المتوقع أن تزود واشنطن الرياض بمعلومات استخباراتية عن الأنشطة التي تشير إلى هجمات مستقبلية، بالإضافة إلى تحذيرها في الوقت الحقيقي بشأن شن تلك الهجمات.
ولا يتعلق الأمر فقط بما قد تتضمنه الترتيبات الدفاعية بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة، بل بكيفية تصميمها وتنفيذها بصدقية وفعالية، وذلك يتمتع بالقدر نفسه من الأهمية، إن لم يكن لديه أهمية أكبر. لذا، يحتاج كل ذلك إلى مؤسسات ومعايير وعمليات. ولا تمتلك واشنطن والرياض الكثير من هذه الوسائل. حان الوقت لأن نكون أكثر جدية في العمل على اتفاق دفاعي محتمل بين الولايات المتحدة والسعودية.
نبض