صيف المهرجانات الغائب... هل يبقى لبنان على خارطة الفرح؟
في مثل هذا الوقت من كل عام، كانت المهرجانات اللبنانية تعلن انطلاق موسمها الذهبي، وكانت المنافسة تحتدم على حجز التذاكر والمقاعد الأولى لحضور حفلات النجوم. أما اليوم، فيبدو المشهد مختلفاً تماماً. الحرب والتوترات الأمنية المستمرة فرضت واقعاً صعباً على القطاع الثقافي والسياحي، وأدّت إلى إلغاء معظم المهرجانات والحفلات الفنية الكبرى المقررة لصيف 2026 أو تأجيلها.
وسط هذا المشهد القاتم، يبرز مهرجان "أعياد بيروت" أحد الإستثناءات القليلة التي قررت الاستمرار. فالمهرجان يعود هذا الصيف بنسخته الحادية عشرة، ولكن من موقع جديد في منطقة أنطلياس – النقاش ضمن محافظة جبل لبنان، بعدما تعذّر استخدام موقعه المعتاد على الواجهة البحرية لبيروت بسبب اعتماده مركزاً لإيواء النازحين.

ويقول منظم المهرجان، أمين أبي ياغي لـ"النهار" إن قرار الاستمرار لم يكن سهلاً، إذ أمضت الإدارة أسابيع طويلة تراقب التطورات الميدانية قبل أن تحسم خيارها. ويوضح أن المستجدات التي طرأت على منطقة الواجهة البحرية دفعت المنظمين إلى البحث عن بديل مناسب، مشيراً إلى أن الموقع الجديد يقع ضمن ما يمكن اعتباره "بيروت الكبرى" ولا يبتعد فعلياً عن العاصمة.
وبالنسبة إلى أبي ياغي، يتجاوز القرار الجانب التنظيمي، إذ يصف إقامة المهرجان هذا العام بأنها "مقاومة ثقافية"، مضيفاً: "أردنا أن نقول إن لبنان باقٍ، وإن الحياة يجب أن تستمر. هناك أشخاص سيأتون إلى لبنان خلال الصيف ويرغبون في الاستمتاع بأجوائه، ومن واجبنا أن نقدم لهم شيئاً يليق بهذه التجربة".

ويضم برنامج "أعياد بيروت"، الذي تنطلق فعالياته في 16 تموز/يوليو، مجموعة من الأسماء اللبنانية والعربية، بينها مروان خوري، عبير نعمة، إبراهيم معلوف، الأخرس، غي مانوكيان، جون أشقر، جوزف عطية، على أن تختتم إليسا فعاليات دورته في 28 تموز/يوليو.
في المقابل، جاء قرار معظم المهرجانات الكبرى معاكساً تماماً. فقد أعلنت مهرجانات بيت الدين الدولية إلغاء دورة 2026 بالكامل، فيما قررت مهرجانات الأرز الدولية تأجيل فعالياتها بسبب الظروف الراهنة. أما مهرجانات إهدنيات الدولية فأعلنت غيابها عن موعدها السنوي هذا العام، على أمل العودة في ظروف أفضل.

ولا تقتصر تداعيات هذه القرارات على الجانب الثقافي فحسب، بل تمتد إلى الاقتصاد المحلي في المناطق التي تعتمد على المهرجانات لتنشيط الحركة السياحية والتجارية خلال الصيف. وفي هذا السياق، علمت "النهار" أن مهرجانات بعلبك الدولية تتجه عملياً إلى التعليق، على أن يقتصر نشاطها على إطلاق كتابٍ يوثّق مرور سبعين عاماً على تأسيسها في بيروت.

كما تتّجه مهرجانات القبيات الدولية نحو التعليق أيضاً، ما يهدد موسماً سياحياً تعتمد عليه المنطقة بشكل كبير.

أما مهرجانات بيبلوس الدولية فما زالت تترقّب التطورات الأمنية. ويقول رئيس لجنة المهرجانات المحامي رافاييل صفير لـ"النهار": "لغاية الآن لم تُلغَ الفعاليات، لكن البرنامج الدولي لم يعد متوافراً، فيما نحاول إعداد برنامج محلي مقبول بتكلفة مدروسة".
ورغم الصورة القاتمة، لا يزال بعض الحفلات قائماً حتى الآن، بينها حفلا وائل كفوري في الأول والثاني من آب/أغسطس، إضافة إلى الحفل المنتظر للفنان عمرو دياب في بيروت الذي لم يصدر أي مستجد في شأنه حتى اللحظة.
هكذا يبدو المشهد الثقافي اللبناني هذا الصيف: مهرجانات أُلغيت، وأخرى تنتظر، وثالثة تصرّ على الاستمرار. وبين الخوف والرجاء، يحاول لبنان أن يتمسك بمساحة صغيرة للفرح، وأن يثبت مرة جديدة أن الثقافة تبقى إحدى وسائل الصمود في أصعب الظروف.
نبض