خالد عيتاني: عبقرية صغيرة تحلم على طريقة نيكولا تسلا
في زاوية صغيرة فوق محلٍ لبيع الإلكترونيات في حي الزيدانية البيروتي، كان فتى في الثانية عشرة من عمره يحمل ألواح خشب مستعملة ويقيسها بعناية. لم يكن يجهّز غرفة للعب أو مساحة لقضاء الوقت، بل كان يبني مختبراً خاصاً به. يومها، لم يرَ كثيرون في ذلك المكان سوى "تتخيتة" مهملة مليئة بالكراكيب، لكن خالد عيتاني كان يرى شيئاً مختلفاً تماماً: مساحة يمكن أن تتحول إلى مصنع للأفكار.
اليوم، وبعد عامين فقط، يقف خالد، ابن الرابعة عشرة، بين أسلاك إلكترونية ومحركات صغيرة ونماذج أولية لاختراعاته، مستحقاً عن جدارة لقب أحد أصغر المخترعين في لبنان.

لعبة ليغو
قصة خالد لم تبدأ داخل مختبر أو جامعة، بل مع لعبة "ليغو". كان في السابعة من عمره حين بدأ يجمع القطع ويعيد تركيبها بطريقة تتجاوز عمره بكثير. لم يكن هدفه اللعب فقط، بل فهم كيف تعمل الأشياء. شيئاً فشيئاً، انتقل من الليغو إلى المحركات البسيطة، حيث جرّب أول تجربة حقيقية له عندما وصل بطارية صغيرة بمحرك فدارت المروحة أمامه. كانت لحظة بسيطة، لكنها شكلت نقطة التحول الأولى في شغفه بالإلكترونيات.
الدعم العائلي كان أساسياً في رحلته. والده، الذي يعمل في ميكانيك المحركات، شجعه على استثمار فضوله بدل كبحه. وعندما طلب خالد استخدام المساحة الفارغة فوق محل الإلكترونيات، وافق والده، ليتحوّل المكان إلى مختبر صغير صممه بنفسه بالكامل: الطاولات، الأدراج، توزيع الأدوات، وكل تفصيل صغير يعكس طريقته في التفكير.

لكن البداية الفعلية في عالم الاختراع جاءت مع روبوت "أليكس"، الذي استوحى فكرته من جاره من ذوي الاحتياجات الخاصة. أراد خالد أن يصنع شيئاً يساعده في تفاصيل حياته اليومية، فكانت تلك التجربة أول خطوة حقيقية نحو اختراع يحمل بُعداً إنسانياً. هذا المشروع لم يكن مجرد تجربة تقنية، بل نقطة انتقال جعلته يرى أن التكنولوجيا يمكن أن تكون وسيلة مساعدة للناس، لا مجرد أدوات وتجارب.
بعد "أليكس"، بدأت مشاريع خالد تتوسع. انطلق نحو فكرة "PyroVolt"، وهو جهاز يولد الكهرباء من الحرارة الناتجة عن الشمع عبر تحويل الطاقة الحرارية إلى طاقة كهربائية باستخدام دوائر إلكترونية وبرمجة صمّمها بنفسه.
المشروع تطلب تجارب طويلة وتعديلات متكررة حتى وصل إلى نموذج ناجح.
هذا الاختراع شارك في معرض العلوم في الجامعة اللبنانية، حيث نال جائزة تميز بين أكثر من مئتي مشروع، ليضع اسم خالد بين المواهب العلمية الصاعدة في سن مبكرة جداً.
ولم يتوقف عند ذلك. مشروعه الثاني "AquaVolt" يقوم على توليد الكهرباء من الماء، وقد نجح في تجاربه الأولية. وهو يعمل اليوم على تطويره عبر تكبير الخزانات وتحسين النظام لزيادة الكفاءة ورفع كمية الإنتاج في المستقبل.

إلى جانب ذلك، يخصص جزءاً من وقته لتصليح القطع والأجهزة الإلكترونية التي يحضرها الزبائن إلى محل الإلكترونيات، حيث يقوم بإعادة تشغيلها وإصلاحها، ما منحه خبرة عملية إضافية، وساعده أيضاً في تمويل بعض مشاريعه بشكل بسيط.
في حديثه للنهار، يقول خالد إن كل ما في مختبره يحمل معنى خاصاً، مضيفاً بعبارة تختصر عالمه: "جميع القطع في المختبر هم أصدقائي الحقيقيون". جملة بسيطة لكنها تكشف علاقة مختلفة بين فتى وأدواته، علاقة تمتد من العمل إلى الانتماء.
اليوم، يعمل خالد على مشروع جديد يحمل اسم "GravityVolt"، لا يزال قيد التطوير والتجربة، وقد فضّل عدم الكشف عن تفاصيله حالياً إلى حين اكتماله، مكتفياً بالإشارة إليه على أنه"تحفة" يعمل عليها بصمت ودقة، وسط طموحات لا تتوقف عند حدود عمره.
وبين ضغط الظروف في البلد، ينتظر خالد أن تهدأ الأوضاع ليعود إلى المشاركة في المعارض والمنافسات العلمية، حيث يأمل أن يعرض ابتكاراته أمام جمهور أوسع ويكمل مسيرته مع الاختراع.
وعندما يُسأل عن حلمه، لا يتردد: "أريد أن أصبح مثل نيكولا تسلا… أو ربما أكثر." قد يبدو الحلم كبيراً، لكن من يرى مختبره المتواضع في الزيدانية، يدرك أن البداية الصغيرة قد تحمل طريقاً أطول بكثير مما يبدو.

نبض