حين تفرض الأزمات خياراتها: آلاف الشبان في لبنان يعملون في "الدليفري" وشركات الأمن!
"بدأت عملي في شركة التوصيل حين كنت في السنة الجامعية الثالثة والأخيرة، لتأمين الجزء المتبقي من القسط. وعند تخرجي متخصصاً في تقنية المعلومات، أي من نحو 3 سنوات، لم أترك عملي هذا لحين تأمين وظيفة في تخصصي. إلى الآن، لم أحصل على فرصة براتب يساوي راتبي هنا الذي يراوح بين 1000 و 1200 دولار." هكذا يشرح العشريني خالد كزمى رحلته في مهنة سائق "دليفري" في بيروت.
باتت هذه المهنة اليوم خياراً فعلياً ليؤمن الشباب اللبناني أساسيات العيش. فهذه وغيرها كمهنة "الأمن" وحتى العمل في محطات الوقود لم تكن مقبولةً لدى اللبنانيين، لكن مع تراكم الأزمات والمشكلات التي عاشوها في لبنان، ومحدودية الفرص في سوق العمل، صار كل شيء مقبولاً، وتحوّل التفكير من بناء المستقبل إلى تأمين الحاضر.
شركة "توترز" إحدى أبرز شركات التوصيل في لبنان، أعلنت في أكثر من مناسبة أن لديها نحو 10 آلاف سائق، يمثل اللبنانيون أكثر من 80% منهم. تختلف تجربة الثلاثيني ربيع أشقر عن تجربة الخريجين الجدد من الجامعة أو صغار السن الذين تعذر دخولهم إلى الجامعة من الأصل إذ يقول "كنت أعمل في صالة مطعم، لكن بعدما حدثني جاري عن عمله في شركة التوصيل قررت أن أخوض هذه التجربة، وتبيّن لي أنني في الراتب نفسه أستطيع التحكم بوقتي والتخلص من قلق المدراء."
لسلوك الشباب هذا تفسير علمي تتقاطع فيه تفسيرات علم الاجتماع وعلم النفس. يقول المحاضر في جامعة القديس يوسف والمجاز في العلاج الوظيفي (الإنشغالي) وفي علم النفس هادي فقيه لـ"النهار" إن الشباب اليوم لا يختارون بكامل إرادتهم العمل في هذه المهن، "إنما تفرض عليهم في سياق اقتصادي واجتماعي قاسي. إننا نتكلم عن بلد عاش أزمة اقتصادية خانقة، وانهياراً في العملة، وتجارب حرب وصدمات مستمرة. وهذا يخلق فينا ما القلق الاقتصادي (economic anxiety)، أي شعوراً دائماً بعدم الأمان الاقتصادي، والخوف من فقدان الدخل، وعدم القدرة على التخطيط للمستقبل."
ويضيف فقيه: "من منظور العدالة المهنية، الفرد في لبنان يعيش حالة نجاة يومية (survival mode)، وأولوياته تأمين قوت يومي لا التفكير بماذا سأصبح بعد خمس سنوات، لذا يصبح اختيار المهنة مبني على تأمين عمل ودخل لا يتطلب كفاية أو خبرة ولا حتى شغفاً."
نبض