الطائف لم يسقط مسيحياً... لكنّه لم يعد مقدّساً

لبنان 23-10-2026 | 06:14

الطائف لم يسقط مسيحياً... لكنّه لم يعد مقدّساً

هل لا يزال اتفاق الطائف صيغة نهائية، أو أصبح قاعدة تحتاج إلى مراجعة؟
الطائف لم يسقط مسيحياً... لكنّه لم يعد مقدّساً
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي.
Smaller Bigger

بعد أكثر من ثلاثة عقود على إقرار اتفاق الطائف، لا يبدو أن القوى المسيحية تتجه إلى إسقاطه بقدر ما تعيد النظر في طريقة التعامل معه. فبين من يرى أن المشكلة في عدم تطبيقه، ومن يطالب باستكمال بنوده، ومن بدأ يطرح تطوير النظام نفسه، يتقدم سؤال مختلف: هل لا يزال الطائف صيغة نهائية، أو أصبح قاعدة تحتاج إلى مراجعة؟

 

في "القوات اللبنانية"، يعبّر النائب جورج عقيص عن مقاربة تقوم على أولوية التطبيق. فالمشكلة في رأيه ليست في الطائف بذاته، بل في أن بنوده لم تنفذ، وفي مقدمها ما يتعلق بحصر السلاح بيد الدولة. ومن هذا المنطلق، لا تبدو الدعوة إلى تعديل النظام أولوية قبل استكمال تنفيذ الاتفاق الذي لم يأخذ فرصته كاملة.

 

وفي "التيار الوطني الحر"، يأتي موقف النائب سيزار أبي خليل أكثر ارتباطاً بمسألة المناصفة والميثاقية. فهو يؤيد تطبيق الطائف وإنشاء مجلس الشيوخ، لكنه يحذر من أن يؤدي الانتقال إلى إلغاء الطائفية السياسية من دون ضمانات ميثاقية إلى تغليب العددية على الشراكة. أي أن الطائف، بالنسبة إلى هذا الاتجاه، يبقى مرجعية، لكن تطبيقه لا ينفصل عن حماية التوازن الذي قام عليه النظام اللبناني.

 

أيّ لبنان نريد؟

عن الكتائب، يقدم النائب سليم الصايغ مقاربة تتجاوز ثنائية "مع الطائف أو ضده". يقول إن "إشكالية رضا المسيحيين عن الطائف قديمة، لكن القضية الأعمق ليست الطائف بذاته كنظام أو كمنطلق لدستور الجمهورية الثانية، بل السؤال الذي طرحه مؤسس الكتائب بيار الجميل: أيّ لبنان نريد؟ وبأيّ صيغة عيش معاً؟"

 

ويرى الصايغ أن المشكلة الأساسية في تقييم الطائف هي أن الاتفاق لم يكتمل تطبيقه، وأن البلد لم يُحكم فعلياً وفق الدستور والنظام اللذين أقرهما. فمرحلة الوصاية السورية أوجدت، بحسب توصيفه، توافقية معممة لا ينص عليها الدستور ولا الطائف، وبعد خروج سوريا لم تمتلك الدولة كامل حريتها وسيادتها واستقلاليتها، وصولاً إلى مرحلة تمكن فيها الثنائي الشيعي من فرض معادلاته. لذلك، يسأل: "كيف يمكن تقييم نظام إذا كان تطبيقه جرى في ظل دولة غير مكتملة المواصفات؟"

 

ويذهب أبعد، فيقول إن "النقاش انطلق من فرضية وجود دولة مكتملة، ثم البحث عن النظام الأفضل لإدارتها، فيما الدولة نفسها لا تزال احتمالاً أكثر منها وضعاً مكتمل المواصفات. وهذا يجعل مسألة فشل الطائف أكثر تعقيداً من تحميل النص وحده مسؤولية النتائج".

 

وفي ما يتعلق باللامركزية، يرى أن المطالبة بها لتعويض المسيحيين تراجع تقاسم السلطة على مستوى المؤسسات الدستورية كان يفترض أن تُحسم منذ سنوات، داعياً إلى استكمال قانون اللامركزية الذي قدمه حزب الكتائب. لكنه يرفض اختزال القضية باللامركزية، لأن المسألة تتصل بإعادة توزيع السلطات وبمدى امتداد الطائفية السياسية إلى مختلف مندرجات النظام اللبناني.

 

من هنا لا يدعو الصايغ إلى الخروج الكامل من الطائف، معتبراً أن تغيير النظام في لبنان قد يفتح نزاعاً سياسياً أو دموياً لا يحتمله البلد. البديل، في مقاربته، هو تطوير النظام وبناء الاحتمالات الممكنة للتكيف مع التحولات التي طرأت على لبنان وعلاقاته ومجتمعه، وصولاً إلى ميثاق اجتماعي جديد يقوم على التبادلية والارتقاء بالميثاقية إلى منظومة قيم مشتركة.

 

بين عقيص الذي يضع أولوية تطبيق الطائف في صدارة النقاش، وأبي خليل الذي يربط تطبيقه بحماية المناصفة والميثاقية، والصايغ الذي ينقل النقاش إلى سؤال الدولة والميثاق الاجتماعي، تظهر صورة مسيحية أكثر تعقيداً من شعار التمسك بالطائف أو التخلي عنه.

 

فالطائف لم يسقط مسيحياً، لكن التعامل معه لم يعد يقوم على اعتباره نصاً نهائياً لا يُمس. المعركة انتقلت من السؤال هل نريد الطائف؟ إلى سؤال أكثر عمقاً: أيّ دولة يريد المسيحيون واللبنانيون أن يبنوا؟ وهل يستطيع الطائف بصيغته الحالية أن يكون إطارها؟

 

 

أي مستقبل للجمهورية المأزومة؟ (تصميم النهار).
أي مستقبل للجمهورية المأزومة؟ (تصميم النهار).

 

 

"أي مستقبل للجمهورية المأزومة"... ملف خاص من "النهار" في ذكرى "اتفاق الطائف"

1- نبيل بومنصف: طائف لبنان… ما لا يزال "إلزامياً"

2- باميلا شاهين: بين الأمل واليأس... كيف يرى الشباب سبيلاً للخروج من أزمة لبنان؟

3- 5 قطاعات اقتصادية تعرض رؤيتها للتحديات التي تواجه لبنان

4- مجد بومجاهد: اتفاق الطائف لم يعطِ الحكم لمكوّن أو طائفة: القرار لمجلس الوزراء

5- منال شعيا: من يخشى تطبيق اللامركزية الإدارية؟ مواجهة لخسارة "الصلاحيات والنفوذ"

6- إبراهيم بيرم: أين "حزب الله" من الدعوات إلى تعديل الطائف؟

7- وجدي العريضي: هل مجلس الشيوخ "ديكور" أو لرفع الحرمان عن بعض الطوائف؟

8- عباس صباغ: ما السبيل لحل الأزمة في لبنان؟ "القوات": سحب السلاح... "حزب الله": وقف الاعتداءات

9- سمير التقي: الطائف: يُستكمَل ولا يُعاد تفصيله على مقاس البندقية

10- محمد الرميحي: كيف يعود لبنان من الأصفر إلى الأخضر؟

 

الأكثر قراءة

الخليج العربي 10/20/2026 3:10:00 PM
استأنف مطار الملك خالد الدولي عمله، فيما حدّثت شركات طيران دولية مواعيد رحلاتها إلى وجهات سعودية، وأعادت الخطوط الماليزية تشغيل رحلات جدة والمدينة المنورة.
كتاب النهار 10/21/2026 3:55:00 PM
لمجرّد أنه كاهن، غابت عن وسائل التواصل الاجتماعي عبارات الرحمة وترددت كثيراً عبارة "الحمدلله على نعمة الإسلام"
لبنان 10/22/2026 1:50:00 PM
حينما نشر معهد "ألما" الإسرائيلي هذه الدراسة، سَرَت اعتقادات مغلوطة مفادها أن المواقع المزعومة تندرج ضمن بنك أهداف إسرائيل في أي حرب مقبلة ضد "حزب الله".
لبنان 10/22/2026 9:55:00 AM
أعلنت طيران الشرق الأوسط تعديل مواعيد رحلاتها إلى جدة والدمام، مع إتاحة تغيير الحجوزات أو استرداد قيمة التذاكر من دون رسوم، واستمرار تعليق رحلات الرياض.