مؤتمر في مجلس الشيوخ الفرنسي: تأكيد التضامن مع لبنان ودعم سيادته وإعادة الإعمار
شهد قصر مجلس الشيوخ الفرنسي انعقاد مؤتمر للتضامن مع لبنان بدعوة من رئيس مجلس الشيوخ الفرنسي جيرار لارشيه، وبمشاركة وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي، ووزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار، ورئيسة مجموعة الصداقة الفرنسية – اللبنانية في مجلس الشيوخ السيناتورة كريستين لابار، والسفير اللبناني في فرنسا ربيع الشاعر، ورئيس منطقة بروفانس ألب كوت دازور رونو موزولييه، إلى جانب شخصيات سياسية وبرلمانية فرنسية ولبنانية.
وافتتح رئيس مجلس الشيوخ جيرار لارشيه المؤتمر مرحباً بالوفد اللبناني، ومستحضراً الجذور التاريخية للعلاقة التي تربط مجلس الشيوخ الفرنسي بلبنان، ومؤكداً أن فرنسا ستبقى إلى جانب اللبنانيين في مرحلة إعادة بناء الدولة واستعادة مؤسساتها.
وانتقد لارشيه منطق الحرب الذي تبناه حزب الله خلال السنوات الماضية، معتبراً أن هذا النهج ألحق أضراراً جسيمة بلبنان وشعبه. وأشاد في المقابل بقرار السلطات اللبنانية الدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، برعاية الولايات المتحدة، بهدف التوصل إلى انسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية، وبسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها، ومعالجة ملف سلاح حزب الله في إطار استعادة الدولة احتكارها الشرعي لاستخدام القوة.

وأكد أن التضامن الدولي لا يكتسب معناه الحقيقي إلا إذا جاء استجابة لأولويات اللبنانيين أنفسهم، مشدداً على أن المؤتمر يُعقد “مع لبنان وليس من أجل لبنان"، في إشارة إلى احترام السيادة اللبنانية وخيارات مؤسساتها الشرعية.
وجدد دعمه الكامل للجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي باعتبارهما الركيزة الأساسية لاستعادة الأمن والاستقرار، كما أشار إلى الدور الذي يمكن أن تؤديه الشرطة البلدية في تعزيز الأمن المحلي. وتطرق أيضاً إلى مستقبل قوات الأمم المتحدة الموقّتة في جنوب لبنان (اليونيفيل)، معتبراً أن أي نقاش حول تطور مهمتها يجب أن يتم بالتنسيق مع السلطات اللبنانية وبما ينسجم مع تعزيز سيادة الدولة.
وحيّا لارشيه ذكرى العسكريين الفرنسيين العريف أول أنيسيه جيراردان والمساعد أول فلوريان مونتوريو اللذين سقطا أثناء أداء واجبهما في لبنان، مؤكداً استمرار التزام فرنسا بأمن لبنان واستقراره.
ودعا إلى تعبئة تضامن دولي واسع وسريع لإعادة إعمار القرى المدمرة والمدارس والمراكز الصحية والأراضي الزراعية، إضافة إلى دعم النازحين وتمكينهم من العودة إلى مناطقهم، معتبراً أن إعادة الإعمار تشكل المدخل الأساسي لاستعادة الحياة الطبيعية وتعزيز الثقة بالدولة.
يوسف رجي: شراكة لا وصاية
من جهته، رسم وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي ملامح مرحلة جديدة في العلاقات اللبنانية – الفرنسية، تقوم على الانتقال من منطق الحماية التقليدي إلى شراكة قائمة على احترام السيادة اللبنانية ودعم قيام دولة قوية، تعددية ومنفتحة، تستند إلى مؤسسات دستورية فاعلة.
وأشار إلى أن منطقة البحر الأبيض المتوسط استعادت موقعها كمحور استراتيجي في ظل التحولات الجيوسياسية الكبرى، سواء في مجالات الطاقة أو الهجرة أو الأمن البحري أو طرق التجارة، الأمر الذي يجعل من التعاون بين ضفتي المتوسط ضرورة متزايدة.
وأكد رجي أنّ لبنان اتخذ خياراً استراتيجياً لا رجعة فيه يتمثل في إعادة بناء دولة تحتكر وحدها القرار السياسي والأمني والسلاح الشرعي، مشيراً إلى أن قرار إنهاء الوجود العسكري لحزب الله انطلق من إرادة وطنية لبنانية، وساهم في تهيئة الظروف للاتفاق الإطاري الذي تم برعاية أميركية.
وشدد على ضرورة التمييز بين الشراكة والوصاية، وبين التعاون والتدخل، مؤكداً أن قرارات الحرب والسلم باتت تُتخذ حصراً في بيروت عبر المؤسسات الدستورية، بعيداً عن أي وصاية خارجية أو دور لأي جهة مسلحة خارج إطار الدولة.
كما أشاد بالدور الفرنسي ضمن قوات اليونيفيل، معتبراً في الوقت نفسه أن أي قوة دولية لا يمكن أن تكون بديلاً دائماً عن الدولة اللبنانية. وحدد رؤية تقوم على الانتشار الكامل للجيش اللبناني على الأراضي كافة، بما فيها الجنوب، وانسحاب كامل وغير مشروط للقوات الإسرائيلية، بحيث تمارس المؤسسات الشرعية وحدها السلطة على كامل الأراضي اللبنانية. وأضاف أن ترسيخ هذا الواقع سيفتح الباب أمام نقاش حول مستقبل الوجود الدولي وآليات مواكبة البنية الأمنية الجديدة، مع احتفاظ فرنسا بدور محوري في هذه المرحلة.
وأكد أن التضامن الدولي مع لبنان يجب أن ينتقل من إدارة الأزمات إلى مواكبة نهضة دولة تستعيد سيادتها الكاملة.

أحمد الحجار: الدولة وحدها مسؤولة عن الأمن
بدوره، ركز وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار على ترجمة هذه الرؤية إلى خطوات عملية، مشيراً إلى أن الأولويات تتمثل في استكمال الانسحاب الإسرائيلي، وعودة النازحين إلى قراهم، والإفراج عن المعتقلين اللبنانيين، وإطلاق ورشة إعادة الإعمار.
وأوضح أن الحكومة تعمل على بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية عبر الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي وحدهما، انسجاماً مع القرارات الدولية وقرارات مجلس الوزراء، مشدداً على أن هذا المسار يحتاج إلى صبر وثبات، لكنه يشكل الضمانة الوحيدة لاستقرار لبنان واستمرار مشاريع التعاون الدولي.
وعلى الصعيد الداخلي، أشار إلى استئناف الانتخابات البلدية بعد انقطاع دام تسع سنوات، وما أفرزته من مجالس بلدية جديدة تحتاج إلى برامج تدريب وشراكات مستدامة مع البلديات الفرنسية.
وأشاد بالدعم الإنساني الفرنسي، ولا سيما الموجه إلى الدفاع المدني والبلديات، مؤكداً أهمية التعاون اللامركزي بين السلطات المحلية في البلدين، باعتباره مكملاً للعمل الدبلوماسي وقريباً من احتياجات المواطنين، داعياً إلى تضامن فرنسي طويل الأمد يحقق نتائج ملموسة.
دعم برلماني فرنسي واسع
من جهتها، أكدت رئيسة مجموعة الصداقة الفرنسية – اللبنانية في مجلس الشيوخ السيناتورة كريستين لابار أن المجموعة تضم 51 عضواً من مختلف الكتل السياسية، أي ما يقارب عضوًا واحدًا من كل سبعة أعضاء في مجلس الشيوخ، ما يعكس اتساع الإجماع الفرنسي على دعم لبنان.
وأوضحت أن المجموعة تحافظ على تواصل دائم مع البرلمانيين اللبنانيين، ومؤسسات المجتمع المدني، والجالية اللبنانية في فرنسا، وتواصل دعمها للسكان والجيش اللبناني والمدارس، ولا سيما المدارس الفرنكوفونية.
كما شددت على أهمية تنفيذ الإصلاحات الهيكلية، وفي مقدمها إصلاح القطاع المصرفي، ومكافحة الإفلات من العقاب، وإعادة تفعيل المؤسسات الدستورية، وتطبيق بنود اتفاق الطائف، ولا سيما اللامركزية الإدارية، مؤكدة أن مجموعة الصداقة تشكل حلقة وصل بين وزارة الخارجية الفرنسية والجماعات المحلية لمواكبة الاستجابة الإنسانية ومشاريع إعادة الإعمار على المدى الطويل.
إطلاق الجوازات الرقمية
وفي إطار الزيارة، استضاف السفير اللبناني في فرنسا ربيع الشاعر في مقر السفارة اللبنانية في باريس حفل إطلاق خدمة الجوازات اللبنانية الرقمية (Numérisées)، بحضور وزير الخارجية يوسف رجي ووزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار، وسفيرة لبنان لدى اليونسكو هند درويش، في خطوة تهدف إلى تحديث الخدمات القنصلية وتسهيل معاملات اللبنانيين المقيمين في فرنسا، ضمن مسار رقمنة الإدارة اللبنانية وتعزيز خدماتها للمغتربين.
نبض