انتخابات نيابية مبكرة... ردّ سياسي أكثر منه مشروع قابل للحياة

لبنان 15-07-2026 | 11:53

انتخابات نيابية مبكرة... ردّ سياسي أكثر منه مشروع قابل للحياة

لا يبدو ما طرحه جعجع مبادرة دستورية متكاملة أو مشروعاً مطروحاً على طاولة القوى السياسية، بقدر ما هو ردّ سياسي على المرحلة الحالية ورسالة إلى القوى التي لا تزال تعارض مسار استعادة الدولة لقرارها.
انتخابات نيابية مبكرة... ردّ سياسي أكثر منه مشروع قابل للحياة
جعجع وكتلته بعد لقائه رئيس الجمهورية. (الرئاسة اللبنانية)
Smaller Bigger

أعاد رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع، من قصر بعبدا بعد لقائه رئيس الجمهورية جوزف عون، طرح فكرة إجراء انتخابات نيابية مبكرة، في موقف أثار نقاشاً سياسياً حول مدى واقعية هذا الخيار وإمكان تحوله إلى استحقاق فعلي في ظل الظروف التي يعيشها لبنان.

 

في القراءة السياسية، لا يبدو ما طرحه جعجع مبادرة دستورية متكاملة أو مشروعاً مطروحاً على طاولة القوى السياسية، بقدر ما هو ردّ سياسي على المرحلة الحالية ورسالة إلى القوى التي لا تزال تعارض مسار استعادة الدولة لقرارها، ومفادها أن الاحتكام يجب أن يكون إلى الناس إذا كانت هناك موازين قوى جديدة. لذلك، فإن الطرح يحمل بعداً سياسياً أكثر مما يحمل برنامجاً تنفيذياً قابلاً للسير به فوراً.

 

ومن هنا يبدأ السؤال الحقيقي: هل هناك مناخ يسمح أصلاً بإجراء انتخابات نيابية مبكرة؟

 

حتى الآن، تبدو الإجابة أقرب إلى النفي. فالبرلمان الحالي يملك، بحكم التمديد الذي أقرّه، ولاية تمتد سنتين إضافيتين، وأي تقصير لهذه الولاية يحتاج إلى قانون يصدر عن المجلس نفسه. وحتى اللحظة، لا تظهر أي أكثرية نيابية مستعدة للسير بهذا الخيار، فيما لا تضع غالبية الأحزاب والقوى السياسية هذا الملف على جدول أولوياتها، انطلاقاً من قناعة بأن البلاد تواجه استحقاقات أكثر إلحاحاً من إعادة إنتاج السلطة التشريعية.

 

والأهم من ذلك أن الظروف اللوجستية والأمنية تجعل الحديث عن انتخابات مبكرة أقرب إلى الطرح النظري. فما زال الاحتلال الإسرائيلي قائماً في أجزاء من جنوب لبنان، فيما تعيش المنطقة الجنوبية بأكملها حالة أمنية شديدة الهشاشة مع استمرار الاعتداءات والخروق العسكرية، وهو ما يطرح علامات استفهام جدية حول القدرة على تنظيم عملية انتخابية شاملة وآمنة في مختلف الدوائر، بما يضمن مشاركة جميع الناخبين وتكافؤ الفرص بين المرشحين.

 

ولا يقتصر الأمر على الجانب الأمني، بل يمتد إلى المناخ الداخلي. فالبلاد تعيش أكثر مراحلها حساسية على المستويين السياسي والطائفي، وفتح معركة انتخابية في هذا التوقيت يعني تلقائياً إطلاق حملة تعبئة سياسية وإعلامية حادة، وااستعمال خطاب الانقسام والاستقطاب الذي يرافق عادة الانتخابات النيابية. وفي ظل التوتر القائم، فإن رفع منسوب الاشتباك السياسي قد يتحول إلى عنصرٍ إضافي يهدد الاستقرار الداخلي، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى التهدئة لا إلى مواجهات سياسية مفتوحة.

 

ويضاف إلى ذلك أن اللبنانيين منشغلون اليوم بأولويات مختلفة تماماً. فالأولوية بالنسبة إلى المواطنين تتمثل في تداعيات الحرب، وإعادة الإعمار، وتحسين الوضع الاقتصادي والاجتماعي، واستعادة الحد الأدنى من الاستقرار. أما نقل البلاد إلى معركة انتخابية طويلة ومكلفة، فهو يبدو خارج السياق الذي يعيشه اللبنانيون، ولا ينسجم مع حجم التحديات اليومية التي تواجههم.

 

أما في الإطار الإقليمي، فإن لبنان لا يعيش مرحلة سياسية مستقرة، بل يقف في قلب تحولاتٍ كبرى يشهدها الشرق الأوسط. فالتوازنات الجديدة لم تستقر بعد، والتفاهمات الإقليمية والدولية لا تزال في طور التشكل، فيما ترتبط ملفات أساسية، من الأمن إلى الحدود وإعادة الإعمار، بمسار هذه التحولات. لذلك، يرى كثيرون أن إعادة إنتاج السلطات في لبنان تكون عادة بعد اتضاح صورة التسويات الكبرى، لا خلال مرحلة المخاض التي تسبقها.

 

ومن الناحية السياسية أيضاً، لا يبدو أن طرح الانتخابات المبكرة يحظى بحاضنة فعلية. فباستثناء موقف جعجع، لم يتبنَّ معظم الأحزاب أو الشخصيات السياسية هذا الخيار، كما أنه لا يشكل بنداً متقدماً في النقاش الداخلي. بل إن الأولوية المطروحة اليوم، بالنسبة إلى غالبية القوى، تتمثل في تثبيت وقف الحرب، والتوصل إلى تفاهمات داخلية حول الملفات الخلافية، واستكمال مسار بسط سلطة الدولة، قبل الانتقال إلى أي استحقاق انتخابي جديد.

 

وليس بعيداً من ذلك، فإن فكرة الانتخابات المبكرة ليست جديدة بالكامل. فقد سُرّبت في مراحل سابقة، وخصوصاً من بعض قوى الثامن من آذار، كوسيلة لإسقاط الحكومة الحالية وإعادة خلط التوازنات السياسية. إلا أن هذا الطرح لم يجد طريقه إلى التنفيذ، بعدما اصطدم برفضٍ داخلي، شمل قوىً حليفة لجعجع نفسه، إضافة إلى غياب الحماسة لدى الدول المؤثرة في الملف اللبناني، التي فضّلت الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار السياسي وعدم فتح مواجهة داخلية جديدة في ظل الظروف الإقليمية القائمة.

 

لكل ذلك، تبدو الدعوة إلى انتخابات نيابية مبكرة، في هذه المرحلة، أقرب إلى موقف سياسي ورسالة موجهة إلى الخصوم منها إلى مشروع قابل للتنفيذ. فقبل الحديث عن صناديق الاقتراع، هناك أولويات أكثر إلحاحاً: إنهاء تداعيات الحرب، تثبيت الاستقرار الأمني، التوصل إلى تفاهمات داخلية، وانتظار اتضاح المشهد الإقليمي. وعندها فقط يصبح البحث في إعادة إنتاج السلطة جزءاً من مسار طبيعي، لا عنواناً لمعركة جديدة في توقيتٍ لا يتحمله لبنان.

 

الأكثر قراءة

الخليج العربي 7/13/2026 10:10:00 PM
اتهم الحوثيون السعودية في وقت سابق بقصف مدرج مطار صنعاء الذي يسيطرون عليه.
دوليات 7/14/2026 6:25:00 AM
الذهب عند أدنى مستوى في أسبوعين و تراجع المعادن النفيسة الأخرى
مكالمة استغاثة بسبب آلام في الصدر، ثم وفاة مفاجئة، لتنكشف لاحقاً تفاصيل الساعات الأخيرة في حياة السيناتور الأميركي ليندسي غراهام. ومع تصاعد التساؤلات، دعا مشرعون إلى تحقيق شامل، فيما بدأت تتكشف كواليس آخر لحظاته
لبنان 7/14/2026 9:44:00 AM
منح تصل إلى 250 ألف دولار للمشروع الواحد... السفارة الأميركية في بيروت تطلق برنامج تمويل جديد لدعم منظمات المجتمع المدني، مع تركيز على الذكاء الاصطناعي، ومحو الأمية الرقمية، ومواجهة المعلومات المضللة.