استهداف قلب صور… رسائل التفاوض والنار المفتوحة
شكّل القصف الإسرائيلي الذي استهدف قلب مدينة صور تحوّلا لافتاً في مسار المواجهة الدائرة جنوب لبنان، خصوصاً أنّ المدينة كانت تُعتبر خلال المرحلة الماضية ضمن المناطق التي جرى تحييدها نسبياً عن الاستهدافات المباشرة والكثيفة. فالضربات التي طاولت المدينة لم تُقرأ في بعدها العسكري فحسب، بل حملت أبعاداً سياسية ونفسية مرتبطة بمسار الحرب والتفاوض في آنٍ واحد.
وفي هذا السياق، رأى الخبير العسكري والإستراتيجي العميد حسن جوني أنّ تركيز القصف الإسرائيلي على صور يدخل ضمن "إستراتيجية التدمير" التي يعتمدها الجيش الإسرائيلي، معتبراً أنّ التصعيد يرتبط أيضاً بمسار التفاوض الجاري، وبالضغط على رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي تعتبر صور معقلاً من معاقل حركته، وخصوصاً في ظل الضغوط السياسية والعسكرية المتبادلة.
وأشار إلى أنّ "الضغط التدميري الإسرائيلي، وخصوصاً على مدينة صور، له علاقة بطروحات التفاوض والشروط القاسية"، معتبراً أنّ إسرائيل تحاول استخدام القوة النارية ورقة ضغط ميدانية لتحسين شروطها السياسية. وبحسب قراءته، فإنّ طبيعة الأهداف التي يجري استهدافها شهدت تطوراً واضحاً، بحيث بات التركيز يطاول المدنيين والمباني السكنية والمنشآت الاقتصادية والطبية، أكثر من ارتباطه بأهداف عسكرية مباشرة مرتبطة بـ"حزب الله."
صور… أكثر من مدينة جنوبية
لا يقتصر وقع استهداف صور على البعد العسكري فحسب، فالمدينة تُعدّ من أكثر مدن الجنوب حساسيةً على المستوى الرمزي والسياسي والشعبي. فهي مدينة تاريخية وأثرية كبرى، وتشكل مركزاً اقتصادياً وخدماتياً أساسياً لأبناء الجنوب، كما تحمل رمزية خاصة داخل البيئة الحاضنة للمقاومة وحركة حركة "أمل"، التي يتزعمها بري.
من هنا، فإن استهداف قلب المدينة يترك أثراً مختلفاً عن قصف القرى الحدودية المعتادة على وتيرة التصعيد. فالرسالة الإسرائيلية تبدو أبعد من مجرد استهداف موضعي، لتصل إلى محاولة إحداث ضغطٍ نفسي ومعنوي داخل البيئة الجنوبية، وإيصال إشارة بأنّ أي منطقة لم تعد خارج دائرة النار.
واعتبر أنّ ما يجري يندرج ضمن مرحلةٍ تصاعدية في المواجهة بين إسرائيل و"حزب الله"، مشيراً إلى أنّ الحزب "رفض القبول بالضغط الإسرائيلي وشروط الاستسلام، وقرر المواجهة بالمعايير نفسهاط، ما يعني أنّ احتمالات التصعيد تبقى مفتوحة في ظل غياب أي مؤشرات جدية على التهدئة.
هل تغيّرت قواعد الاشتباك؟
ويطرح استهداف صور مجدداً سؤالاً أساسياً حول ما إذا كانت قواعد الاشتباك التي حكمت المواجهة خلال الأشهر الماضية قد بدأت بالتفكك. فاستهداف مدينة كانت تُصنف ضمن "العمق الأقل استهدافاً" يوحي أن هامش الضبط السابق بات أضعف، وأنّ إسرائيل تتجه نحو توسيع دائرة الضغط الميداني تدريجاً.
كما أنّ هذا التصعيد لا يمكن فصله عن المشهد الإقليمي الأوسع، حيث تتداخل الجبهة اللبنانية مع مسارات التفاوض والحرب في المنطقة. لذلك، تبدو الضربات على صور كأنها تحمل رسائل متعددة الاتجاه: إلى الداخل اللبناني، وإلى القوى السياسية المعنية بالتفاوض، وكذلك إلى الوسطاء الإقليميين والدوليين الذين يحاولون منع الانزلاق نحو مواجهة شاملة.
وفي ظل هذا الواقع، تبدو مدينة صور اليوم أمام مرحلة مختلفة، بحيث لم يعد تحييدها مضموناً كما في السابق، فيما تتسع تدريجاً رقعة المواجهة السياسية والميدانية في الجنوب اللبناني.
نبض