التصعيد الحربي بلا هوادة والاغتيالات بالجملة... مخاوف من تفلّت بعد اختراق عين سعادة
مع أن اللوحة الكبيرة للتصعيد الحربي المتدحرج بين إسرائيل و"حزب الله" عكست الانزلاق القسري بلبنان في متاهات الحرب إلى مستويات بالغة الخطورة، وسط انسداد الأفق تماماً أمام احتمالات لجمها، قفزت تداعيات الاستهداف الذي طاول منطقة في قلب المناطق ذات الغالبية المسيحية في جبل لبنان إلى صدارة المشهد المأزوم، واستقطبت الاهتمامات نظراً إلى الحساسية العالية لهذا التطور.
ذلك إن حادث استهداف مبنى في تلال عين سعادة ليل عيد الفصح ومقتل المسؤول عن مركز يحشوش في "القوات اللبنانية" بيار معوض وزوجته ومواطنة ثالثة في منزل الأول، لم تقتصر تداعياته على إطلاق وتيرة السخط والغضب حيال استشهاد ضحايا لا ناقة لهم ولا جمل في صراع مخيف فرض على مناطقهم ومجتمعاتهم ووطنهم فحسب، بل تجاوزت ذلك إلى رسم احتمالات قاتمة للوضع الأمني والاجتماعي في المناطق المضيفة للنازحين عموماً. المخاوف من اهتزاز أمن النازحين والمضيفين سواء بسواء، بدا من أخطر ما تواجهه الدولة وأجهزتها من تحديات ملحة أولاً. كما إن الواقع الحربي الآخذ في التصعيد يفاقم المخاوف الكبرى من انهيارات داخلية كارثية متى طالت الحرب وتحوّلت إلى حرب استنزاف مديدة كما تنذر الوقائع الميدانية التي لا تعكس اتجاهات واضحة لأي حسم ميداني وشيك، ولو وسط التفوّق العسكري الإسرائيلي.
وقد علمت "النهار" أن وتيرة العمل الأمني الذي أعقب حادث عين سعادة اتّسمت بدرجات عالية من الكثافة والتحسّب لكل الاحتمالات، وأن ثمة معطيات قد تفضي إلى كشف هوية الشخص الذي فرّ من مسرح الاستهداف الإسرائيلي للمبنى. كما علم أن ترتيبات بالغة التشدّد سيبدأ اعتمادها في المناطق المضيفة للنازحين بين كسروان والمتن وجبيل امتداداً إلى الشمال، إذ إن الحادث أحدث صدمة غير مسبوقة من الانفعالات وبذلت قوى سياسية أساسية جهوداً واسعة لمنع أي انفعالات مؤذية قد تخرج عن الإطار المقبول وتحدث هزّة لا تحمد عواقبها.
وجاء الشرح الذي قدّمه رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع لطبيعة الحادث الذي وقع في عين سعادة حازماً في وضع النقاط على حروف الدولة وهادئاً في آن معاً. ومما قال: "إنّ ما حصل يكمن في أنّ الإسرائيليين كانوا يستهدفون أحد عناصر فيلق القدس، وقد وُجّهت ضربة إلى مبنى قديم، ما أدى إلى انهيار السقف على منزل رفيقنا بيار معوض، حيث كان موجودًا، فسقط وزوجته وسيدة كانت تزورهما، وأصيب عدد من الأشخاص الذين كانوا معهم، أو في الشقة المجاورة. واعتبر أنّ ما حصل لا يحتاج إلى الكثير من الاجتهاد".

وبعدما قدّم نبذة عن مسار بيار معوض في القوات اللبنانية وقدّم التعازي إلى أولاده غابريال وشربل وغاييل، معتبرًا "أنّ الشعلة أصبحت في أيديهم للاستمرار من حيث اضطر والدهم إلى التوقف"، قال: "إنّ ما يُعرف بالدولة العميقة في لبنان، من جيش لبناني وقوى أمن داخلي وقضاء، فضّلت أن تترك بعض اللبنانيين يذهبون نحو الانتحار والتهلكة بدل أن تواجههم، معتبرًا أنّ تحمّل المسؤولية منذ البداية كان سيكون أفضل للجميع، حتى لمن كانوا يسلكون هذا المسار. وأشار إلى أنّ الأجواء التي سادت في الفترة الأخيرة تضمّنت تهويلاً كبيرًا حول احتمال اندلاع حرب أهلية، مؤكّدًا أنّه عندما تقرّر الدولة القيام بدورها، لن نشهد حرباً أهلية، بل قد يحصل بعض الإشكالات المحدودة، لأن الدولة هي منظومة مؤسسات وإدارات كبيرة".
وتساءل "عمّن يتحمّل مسؤولية ما حصل مع بيار معوّض الذي لم يرتكب أي مخالفة أو خطأ، بل كان مواطنًا مثاليًا ملتزمًا في منزله، وقُتل نتيجة أعمال عسكرية، وليس نتيجة حادث طبيعي". وأردف، "حتى لو اختارت الدولة عدم منع من يريدون تعريض أنفسهم للخطر، فلا يحق لها أن تترك من يريدون العيش بأمان عرضة للموت داخل منازلهم".
وقال: "إنّ البلديات تقوم بواجباتها من خلال توثيق المعلومات وإحالتها على الأجهزة الأمنية، إلا أنّ المتابعة من قبل هذه الأجهزة غير كافية. وشدّد على أنّ مسؤولية تحديد الجهات التي تشكّل خطرًا لا تقع على عاتق البلديات، بل على الأجهزة الأمنية التي يجب أن تكون لديها لوائح واضحة، وأن تتخذ الإجراءات اللازمة لحماية المواطنين الذين يثقون بالدولة، فـ"75% من الشعب اللبناني يلتزمون بالدولة اللبنانية لكن الأخيرة غير ملتزمة بهم، وهذا الأمر لا يجوز إطلاقًا، ولا نريد أن يصل البعض إلى التخلي عن إيمانهم بمنطق الدولة".
وبعدما أكد أنّه لا يجوز استمرار الوضع على ما هو عليه، توّجه إلى جميع المسؤولين، ولا سيّما إلى ما يُعرف بالدولة العميقة بالقول: "يجب وضع آليات واضحة لتحديد مصادر الخطر والتعامل معها بشكل فوري".
في غضون ذلك، تواصلت أمس وتيرة التصعيد الميداني بعنف مطرد، ونفّذ الطيران الحربي الإسرائيلي غارة عنيفة استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت بعدما هدّد المتحدّث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي سكان مناطق: حارة حريك، الغبيري، الليلكي، الحدت، برج البراجنة، تحويطة الغدير والشياح، وقال إن "الجيش الإسرائيلي يواصل مهاجمة البنى التحتيّة العسكريّة التابعة لـ"حزب الله" في مختلف أنحاء الضاحية وبقوّة متزايدة".
ونفّذت إسرائيل سلسلة اغتيالات منذ صباح أمس في جنوب لبنان، حيث استهدفت مسيّرة "بيك أب" في بلدة ميفدون، وسيّارة "رابيد" عند طريق عام صور - الناقورة محلة الرشيدية وسيارة في محيط بلدة قانا ودرّاجة نارية على طريق الحمادية شرق صور وسيارة عند دوار كفرمان قضاء النبطية. كما أغار الطيران المسيّر مستهدفاً محيط مستشفى غندور في النبطية الفوقا، ما أدى إلى سقوط قتيل وجريح، وسيارة "بيك أب" على طريق ميفدون وسقوط إصابتين. واستهدفت غارة على بلدة جويا في قضاء صور منزلاً دمّرته بالكامل وعلى بلدة يحمر الشقيف في قضاء النبطية. وسقطت ضحيتان وجريح ووقعت أضرار جسيمة بالممتلكات نتيجة غارة على منزل في بلدة برج رحال.

وبعد ظهر اليوم، شنّ الطيران الحربي غارة على مبنى سكني في الحي الشمالي في بلدة الدوير الجنوبية، ودمّره، كما شن غارة على بلدة الجميجمة في قضاء بنت جبيل، وأخرى على بلدة زبدين، وتعرّضت بلدة مجدل سلم في قضاء مرجعيون لغارة مماثلة. كما شنّ سلسلة غارات استهدفت بلدة القليلة.
كما تم استهداف سيارة رابيد عند طريق عام صور الناقورة قرب مفرق مخيم الرشيدية.
وأفيد عن مقتل اثنين من مسعفي الهيئة الصحية الإسلامية جراء استهداف نقطة للهيئة الليلة الماضية في بلدة حاريص، في قضاء بنت جبيل.
وصدر عن مركز عمليات طوارئ الصحة التابع لوزارة الصحة العامة بيان أعلن أن الغارة الإسرائيلية على سيارة على دوار كفررمان قضاء النبطية أدت إلى استشهاد أربعة مواطنين.
كما شنّ الطيران الحربي الإسرائيلي سلسلة غارات على قرى ومحيط وأطراف بلدات البقاع الغربي عند الساعة الثالثة من فجر أمس، فاستهدف سحمر ومشغرة وقليا وزلايا.
وأفاد التقرير الذي تصدره وزارة الصحة عن يوميات الحرب أن العدد الإجمالي للقتلى منذ 2 آذار حتى 6 نيسان ارتفع إلى 1497، كما ارتفع عدد الجرحى إلى 4639.
أما في ما يتصل بموضوع معبر المصنع الحدودي، فقام المدير العام للأمن العام اللواء حسن شقير بعد ظهر أمس بجولة على المعبر مؤكداً أن هناك ضمانة دولية لتجميد الضربة على المصنع يتوقع أن تصل في الساعات المقبلة، وذلك نتيجة جهود ديبلوماسية تقودها مصر عبر اتصالات مع الولايات المتحدة وإسرائيل. وأشار شقير إلى أنّ سوريا تبذل بدورها مساعٍٍ ديبلوماسية لتحييد المعبر وإعادة فتحه، في ظل الجهود الهادفة إلى الحفاظ على استمرارية حركة العبور وتخفيف تداعيات التوترات القائمة.
نبض