ثانوية راشيا اللبنانية تتأهّل للمرة الثانية إلى نهائيات جائزة زايد للاستدامة
في راشيا، يعرف الأطفال قلعة بلدتهم قبل أن يحفظوا جدول الضرب. هناك، في تشرين الثاني 1943، سُجن رجالات الاستقلال، وخرجوا منها ليولد لبنان دولةً مستقلة. ومنذ ذلك الحين، صار اسم راشيا صفحةً ثابتة في كتب التاريخ.
لكنّ صفحةً أخرى تُكتب اليوم في البلدة نفسها، يكتبها تلامذة في المرحلة الثانوية.
فمن بين 10233 طلباً من 177 دولة تقدّمت هذا العام إلى جائزة زايد للاستدامة، اختارت لجنة التحكيم 18 مدرسة فقط حول العالم لبلوغ المرحلة النهائية في فئة المدارس الثانوية العالمية. واحدة منها ثانوية راشيا الرسمية، وللمرة الثانية على التوالي.
من النهر إلى الضباب
في العام الماضي، نظر تلامذة راشيا إلى أنهار لبنان، التي كانت يوماً مصدر فخر فصارت مكبّاً للبلاستيك والنفايات، وقرّروا أن ينظّفوها. صمّموا جهازاً عائماً يعمل بالطاقة الشمسية ويستعين بالذكاء الاصطناعي، يجوب سطح المياه وحده ويجمع ما يطفو عليها.
هذا العام، ذهبوا أبعد. لم يعد السؤال: كيف ننظّف المياه؟ بل: ماذا لو لم تكن هناك مياه أصلاً؟
والجواب جاء من مكان لم يتوقّعه أحد: من الضباب.
تعمل المدرسة على تطوير نظام لحصاد الضباب، يلتقط القطرات العالقة في الهواء ويحوّلها إلى مياه نظيفة صالحة للاستخدام. نظام مستقل تماماً عن الشبكة، يعمل بالطاقة المتجدّدة، ويستعين بتقنية الكهرباء الساكنة لالتقاط القطرات، مع أنظمة ترشيح مدمجة ومراقبة فورية عبر إنترنت الأشياء تتيح متابعة أدائه لحظة بلحظة.
في بلد يعرف أهله جيداً معنى انتظار المياه وصهاريجها، يبدو أن تلامذة مدرسة رسمية قرّروا ألّا ينتظروا.
ليست مدرسة "محظوظة"
ثانوية راشيا ليست مدرسة خاصة بأقساط مرتفعة ومختبرات مجهّزة بأحدث المعدّات. إنها مدرسة رسمية تضم نحو 350 تلميذاً، في بلد عاشت فيه المدرسة الرسمية سنوات من الإضرابات والإقفال وشحّ الموارد.
لكنّ ما يحدث فيها لم يبدأ مع جائزة زايد. بدأ في زمن كورونا، حين قرّرت المدرسة أن تنتزع تلامذتها من الشاشات وتعيدهم إلى الطبيعة. ومن هناك، كبرت الفكرة مشروعاً بعد مشروع، من فلتر شخصي لتلوّث الهواء إلى حلم معلن بمدرسة خالية من النفايات تبني أنظمة إعادة التدوير الخاصة بها. وفي العام 2024، وجدت راشيا اسمها بين المدارس العشر الأولى في العالم في مجال العمل البيئي، ضمن جوائز "أفضل مدرسة في العالم".
"محاولة حقيقية لإحداث فرق"
حين روت "النهار" قصة فريق العام الماضي، لم يتحدّث التلامذة عن جوائز ولا عن شهرة. قال قائد الفريق أشرف دهام إن الفكرة وُلدت من "إحساس مباشر بالمسؤولية تجاه البيئة والمجتمع". وقالت زميلته ريم عقل إن المشروع "ليس مجرد تجربة مدرسية، بل محاولة حقيقية لإحداث فرق".
موعد أبوظبي... والرهان يتجاوز الجائزة
بمجرّد بلوغها النهائيات، ضمنت المدرسة للمرة الثانية منحة بقيمة 25 ألف دولار لتطوير مشروعها. لكنّ الموعد الحاسم هو 12 كانون الثاني 2027، في أبوظبي، ضمن فعاليات أسبوع أبوظبي للاستدامة، حين تُعلن أسماء الفائزين.

في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تقف ثانوية راشيا إلى جانب مدارس التكنولوجيا التطبيقية في عجمان ومدرسة إنخل الثانوية في سوريا. مدرستان من بلدين جارين أنهكتهما الأزمات، على منصّة واحدة.
والفائز عن كل منطقة سيحصل على 150 ألف دولار لتنفيذ مشروعه أو توسيعه. لكنّ الرهان يتجاوز قيمة المبلغ: فمنذ انطلاقها عام 2008، أسهمت جائزة زايد للاستدامة، عبر فائزيها، في تحسين حياة أكثر من 411 مليون شخص حول العالم، من خلال توسيع الوصول إلى الرعاية الصحية والغذاء والطاقة والمياه الآمنة.
نبض