من يخشى تطبيق اللامركزية الإدارية؟ مواجهة لخسارة "الصلاحيات والنفوذ"
في الظاهر، لا عقبات أمام تطبيق اللامركزية الإدارية، إنما في التفاصيل، تكمن كل العراقيل: من سحب النفوذ من الدولة المركزية، مروراً بقطع حلقة الفساد والمستفيدين، وصولاً إلى سطوة السلاح وتمدّد "الدولة العميقة" داخل الحكم.
بعد 37 عاماً على اتفاق الطائف، لا يزال بند اللامركزية الإدارية على الورق. عشرات اقتراحات القوانين قدّمت أمام مجلس النواب ونوقشت، لأكثر من 75 مرة. وحتى الآن، لا وجود للامركزية، فمن يمنع تطبييقها؟
في إحدى الندوات الجامعية، وضع الوزير السابق زياد بارود الإصبع على الجرح. هو، الذي يعتبر من أبرز "العرّابين" لهذا المشروع – المنتظر، اعتبر أن "كل النقاش عن اللامركزية المالية عقيم وليس في مكانه، فأي لامركزية من دون واردات لا جدوى منها، لأن لا جدوى من صلاحيات لا يمكن ممارستها".
"على ما نحن عليه"
هكذا، ان اي محاولة او نية عند البعض لتجزئة اللامركزية او تقسيمها بين مالية او ادارية وسوى ذلك، هو نقاش لا جدوى منه، بل تضييع للبوصلة.
وبحسب بارود، إن "الانطباع الذي حاول البعض تسويقه بأن اللامركزية المالية تعني استقلالاً غير صحيح، بل يهدف إلى لامركزية محدودة بلا إمكانات مالية، ما يعني البقاء على ما نحن عليه".
كان بارود من الوزراء القلائل الذين عملوا، عام 2014، على مشروع قانون متكامل، نص على تحويل الأقضية وحدات إدارية لامركزية تحظى بمجلس منتخب، واستقلالية إدارية ومالية، وغيرها الكثير من النقاط. وسرعان ما تحوّل المشروع إلى اقتراح قانون بتوقيع من رئيس حزب الكتائب النائب سامي الجميل.
اليوم، وفي توقيت لافت، أعلن إعادة تفعيل اللجنة الفرعية النيابية لمناقشة هذا الاقتراح، فهل نحتاج إلى مزيد من النقاشات؟ وأين العراقيل؟
يكشف عضو كتلة الكتائب النائب الياس حنكش لـ"النهار" انه حين دخل البرلمان للمرة الاولى عام 2018، سئل عما ينوي فعله، فرد: "أهم انجاز هو اقرار قانون اللامركزية".
مرّت ثمانية اعوام، ولا يزال الاقتراح يدرس بين لجنة واخرى، فيما المطلوب واحد.
لا يخفي حنكش ان اكثر من علامة استفهام حول توقيت طرح قانون الانتخاب للنقاش اليوم، واعادة احياء لجنة اللامركزية، وكأن في الامرين انحرافا عن الهدف الاساسي وهو اقرار القانون.
خسارة النفوذ
وإذ يلفت الى "ان الضرورة اليوم قد تحتّم تخطي مفهوم اللامركزية الى مفهوم اكثر تطورا"، يقول: "من المؤكد ان خسارة البعض لنفوذهم في الدولة المركزية هو العامل الاساسي لعرقلة اللامركزية. من المعيب ان يأخذ الاقتراح عشرة اعوام من النقاشات، لا بل ان يمرّ نحو 40 عاما على الطائف، ويبقى البند بلا تطبيق".
الدولة الرديفة
عراقيل تطبيق اللامركزية يختصرها الكاتب والباحث السياسي الدكتور ميشال الشمّاعي بالقول: "تتعارض اللامركزية مع منظومة حكم كانت تحت قبضة أمنية، تمثلّت بالنظام السوري الذي منع تطبيق اللامركزية لئلا تتحرر المناطق من سلطة الوصاية المركزية المتمثلة بالمحتل السوري. ثم استمرت المسألة باستمرار المستفيدين من الدولة المركزية، سياسيا واقتصاديا، فكانوا ينهالون بالضرائب على جبل لبنان تحديدا، والتي تستثمر لمصلحة خدمات تفيد النهج السياسي القائم".
اما بعد السوري، فتبدلت العراقيل. وفق الشماعي: "انتقلنا الى منظومة تحكم بإشراف "حزب الله".
تحولت "الدولة العميقة" "دولة رديفة" داخل الدولة اللبنانية، وبرئاسة نبيه بري، تتحكم بمفاصل السلطة وتستمر بإعاقة تطبيق اللامركزية الادارية، لئلا تتحول الى ما هو ابعد من ذلك. اللامركزية الصحيحة لن تتوقف عند الحد الاداري، بل ستنتقل حكما من دولة مركزية مشلولة الى دولة لا مركزية تحترم كل المكونات وتتوسع لتتحول الى لامركزية سياسية ونظام فيديرالي، وهذا ما لا يريده هؤلاء".
سلسلة اقتراحات
كثيرة كانت الاقتراحات عن اللامركزية، ابرزها:
• عام 1995، قدم النائب اوغست باخوس اقتراح قانون قيام مجالس معيّنة بصلاحيات محدودة.
• عام 1999: اقترح النائب ميشال المر إنشاء مناطق إدارية تضم مسؤولين معينين ومجالس منتخبة، بإشراف وزارة الداخلية.
• 2007: اقترح النائب روبير غانم إنشاء مجالس من 15 عضوا منتخبا على مستوى الأقضية.
• 2016: قدم الجميل اقتراحه المستوحى من مشروع بارود.
نبض