حماية حقوق الطفل في لبنان بين الممارسة وقانون الإعلام الجديد (فيديو)
لارا الهاشم
في العام 2020، تعرّض طفل سوري يبلغ 13 عامًا لاعتداء جنسي في بلدة سحمر البقاعية. تحوّلت القضية إلى مادة إعلامية جدلية، وسُجّل خرق واضح لخصوصية الطفل من خلال إجراء مقابلات معه بعد الاعتداء، في ممارسة قد تكون خلّفت تداعيات نفسية عليه.
ولم يكن هذا الخطأ معزولًا في تغطية قضايا الأطفال في لبنان، من دون أن يعني ذلك التعميم. وجرت هذه الممارسات في ظل غياب قواعد إعلامية واضحة، رغم أن القانون 422/2002 يفرض قيودًا على نشر صور الأحداث ومعلومات التحقيق والمحاكمة، ورغم حماية المادة 16 من اتفاقية حقوق الطفل، التي كان لبنان أول الدول الموقعة عليها، لخصوصية الأطفال.
في محاولة لسدّ هذه الفجوة، نشطت المنظمات الحقوقية ومن بينها اليونيسف التي وضعت بالتعاون مع منظمة كفى عام 2021 سياسة لحماية الطفل في الإعلام، تقوم على مبادئ أخلاقية تضع مصلحة الطفل الفضلى في صلب التغطية. لكن هذه المبادئ لا تحمل قوة القانون، ما عزّز الحاجة إلى تشريع إعلامي حديث.
وبعد سنوات من النقاش، أُقرّ قانون الإعلام الجديد الذي نصّت المادة 96 منه على احترام خصوصية الأطفال. فهل ينجح القانون الجديد في معالجة الثغرات التي كشفتها التغطيات السابقة؟ وكيف يمكن نقل قضايا الأطفال من دون المساس بخصوصيتهم، وضمان إنصافهم عند انتهاكها؟
ثغرات الإعلام اللبناني في مقاربة قضايا الأطفال: ما له وما عليه
على مدى سنوات، وثّقت المنظمات الحقوقية ثغرات في تغطية الإعلام للحوادث والجرائم المرتبطة بالأطفال، إذ كان البعض يغلّب السبق الصحفي على صون كرامة الطفل.
في هذا السياق سجّلت منظمة "انقاذ الطفل" حالات إعلامية لبنانية شكّلت انتهاكاً أو خطراً متكرراً على حقوق الأطفال، في حين أنَّ للطفل الحق في الخصوصية وحماية هويته، وفي الحماية من الأذى والاستغلال والوصم والتمييز، على أن تكون مصلحته الفضلى أولوية، بحسب الخبيرة في حوكمة حقوق الطفل في منظمة إنقاذ الطفل مايا أبي سمرا.
من بين المخالفات التي وثقتها المنظمة هي كشف هوية طفل ضحية عنف، أو إجراء مقابلات مع أطفال في حالة خوف أو صدمة، ونشر صور مهينة أو حساسة، أو استخدام الأطفال لأغراض سياسية. كما قد تكشف تفاصيل النشر هوية الطفل، حتى عند إخفاء اسمه ووجهه.
تضيف أبي سمرا أن إعادة نشر المقاطع على وسائل التواصل الاجتماعي انتهاكاً إضافياً. "فحذف الوسيلة الإعلامية للمقطع لا يكفي بعد انتشاره على منصات أخرى، حيث قد يبقى لسنوات ويؤثر على الطفل مستقبلاً.، كما أن المسؤولية تزداد عندما يكون الطفل معرضاً للخطر أو على تماس مع القانون، لأن أي معلومة أو فيديو قد يلاحقه حتى بعد انتهاء القضية ويؤثر على اندماجه في المجتمع".
وهنا لا تكمن المسألة في ما إذا كانت تجوز مقابلة الطفل، بل في كيفية إجراء المقابلة. "يجب أن تكون مشاركته آمنة وتحترم حقوقه ومصلحته الفضلى. فلا يجوز دفعه إلى تكرار التفاصيل المؤلمة، ويجب وقف المقابلة عند ظهور علامات التوتر. كما أن موافقة الأهل وحدها لا تكفي إذا كان الطفل نفسه لا يريد المشاركة".
أما عند النشر، "فعلى الإعلامي أن يسأل: هل يستطيع شخص يعرف الطفل التعرّف إليه من خلال صوته أو مدرسته أو المنطقة التي يعيش فيها؟ إذا كان الجواب نعم، فلم تُحمَ هويته بما يكفي. وفي حالات الاستغلال الجنسي أو العنف، يُفضّل استخدام صور رمزية ومعلومات مجهّلة".
لذلك ترى منظمة «إنقاذ الطفل» أن الإعلام شريك أساسي في حماية حقوق الطفل. فالإعلام المراعي لحقوقه ليس أقل جرأة، بل يمكن أن يكون قوياً واستقصائياً، يحاسب مرتكب الانتهاك ويحمي الطفل في الوقت نفسه.
حماية الأطفال في صلب أخلاقيات مهنة الإعلام... شهادة من أهل البيت
الـ«تيكتوكرز»... ملف تحوّل في ال 2024 إلى قضية رأي عام، بعد بروز شبهة حول شبكة تستخدم حسابات وهمية على «TikTok»، بالتعاون مع مؤثرين، لاستدراج أطفال قصّر بمبالغ مالية مقابل أعمال جنسية.
يومها وضع مكتب مكافحة الجرائم المعلوماتية يده على الملف بإشراف القضاء، وبوشر التحقيق. لكن، فيما كانت التحقيقات في بداياتها، سارع بعض وسائل الإعلام إلى نشر تفاصيل القضية وصور وأسماء المشتبه بهم، وبينهم أطفال. في المقابل، التزم صحافيون آخرون بمبادئ توازن بين نقل الخبر وحماية حقوق الأطفال وخصوصيتهم.
من بينهم الصحافي إدمون ساسين، الذي كان يومها مراسلاً في LBCI. ورغم امتلاكه جزءاً كبيراً من تفاصيل التحقيق، امتنع عن نشرها أو عرض صور وأسماء المشتبه بهم والضحايا، بمعزل عن الضغوط التي تعرض لها عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
يعتبر ساسين أن حساسية القضية، وارتباطها بأطفال وشبهات حول شبكات مترابطة بين لبنان والخارج، فرضت حذراً إضافياً. فالمعيار الأخلاقي يجب أن يتقدم على السبق الصحفي، لأن مسؤولية الصحافي لا تقتصر على نقل الوقائع، بل تشمل حماية الطفل اجتماعياً ونفسياً وصون خصوصيته وخصوصية عائلته. فكشف هويته قد يعرّضه للوصم والتنمر، ويترك آثاراً نفسية وجسدية خطيرة.
لم تقتصر الإشكالية، برأيه، على انتهاك خصوصية الأطفال، بل شملت نشر تفاصيل من محاضر التحقيق الأولية، بما يشكل خرقاً لسرية التحقيق ولقرينة البراءة التي يكفلها القانون حتى صدور الحكم، وتزداد خطورته عندما يكون المشتبه به قاصراً، لما قد يسببه كشف هويته من تشهير وآثار طويلة الأمد على مستقبله.
وهنا يُطرح السؤال: كيف للصحافي أن يوازن بين المصلحة العامة والسبق الصحفي؟ يرى ساسين أن السبق الصحفي لا يكون بانتهاك حرمة الناس بهدف استقطاب الجمهور، بل بالحصول على المعلومة الموثوقة والتحقق منها ونقلها بدقة ومسؤولية. لذلك، تبقى حماية الطفل في صميم المسؤولية المهنية.
حماية الأطفال في قانون الإعلام الجديد
لم تحُل القوانين والمعاهدات الدولية المرعية الإجراء دون استمرار المخالفات الإعلامية في تغطية قضايا الأطفال. ويعود ذلك، في جزء منه، إلى غياب نص واضح ينظّم مهنة الإعلام في تغطية هذا النوع من القضايا. إلى أن أُقرَّ قانون الإعلام الجديد في العام 2026.
نصّ القانون صراحة على إنشاء هيئة وطنية تضمن حرية التعبير والإعلام والنشر، وفق المبادئ العامة التي ينص عليها الدستور والإعلان العالمي لحقوق الإنسان. كما حدّد في صلب مهامها وضع مدونات سلوك يمكن أن تتضمن عدة مواضيع، من بينها "احترام خصوصية الأطفال في التغطيات الإعلامية". وهي المرة الأولى التي ينص فيها قانون الإعلام اللبناني على حماية الأطفال.
مدونات السلوك هذه ستكون ملزمة، بما أن القانون نص عليها في المادة 95، بحسب النائبة حليمة قعقور التي كانت من أبرز المشاركين في نقاشات القانون: "كما أن أي مخالفة لها ستعرّض صاحبها للملاحقة وفقاً للمادة 90 التي تتحدث عن تدابير عقابية يمكن للهيئة اتخاذها بحق المخالفين لقواعد السلوك، وهي تتراوح بين الاستيضاح، والتنبيه، والإنذار، والغرامات المالية، وإحالة المؤسّسات الإعلامية المخالفة للجهات القضائية المختصّة أو إلى لجنة منبثقة عن الهيئة ومتخصصة بالأخلاقيات الإعلامية، أما الجهة التي يحق لها الادعاء فهي أي متضرّر. لكن الأهم هي صفة الادعاء الشخصي التي أتاحها القانون للهيئة".
أهمية القانون لا تقتصر فقط على تخصيص حماية الأطفال في مدونات السلوك، بل تشمل أيضاً تشكيلة الهيئة التي ستضمّ شخصية متخصّصة في حقوق الإنسان. هذا الأمر سيفسح المجال للأخذ بعين الاعتبار التفاصيل المتعلقة بحقوق الأطفال أكثر فأكثر، وفقاً للنائبة قعقور. "من هنا يبرز الدور الرقابي الأساسي للنواب لتركيبة الهيئة ولتعيين أعضائها من شخصيات مستقلّة، لا سيما أن هذه النقطة استحوذت على نقاشات طويلة، بسبب إصرار الأحزاب يومها على أن يكون للمجلس النيابي أو للحكومة دور في التعيين. كما تنبغي مراقبة النواب لحسن تطبيق القانون، حتى لا يوضع في الأدراج".
في هذا الإطار تتعهد قعقور بالقيام بهذا الدور وممارسة الرقابة انطلاقاً من دورها كنائبة في البرلمان. فالمسؤولية الأولى تقع على المجلس النيابي، من خلال مراقبة عمل الحكومة وتطبيق القوانين. أما المسؤوليات الأخرى في الرقابة ونشر الوعي، فتقع على عاتق الجمعيات والجهات المعنية ووسائل الإعلام.
قد يرى البعض في هذا التنظيم تقويضاً لحرية الإعلام. أما قعقور فتقول إن "حرية التعبير ليست مطلقة"، وهي "تفترض حماية الحقوق الأخرى والحريات الأخرى والفئات الأكثر هشاشة من بينهم الأطفال، ومن هنا كانت حمايتهم أولوية بالنسبة إلينا"، عبر وضع أطر للمحاسبة.
مقترحات سلوكيات للتغطية الإعلامية
تتقاطع وجهات النظر حول أسباب الإخفاق في بعض التغطيات الإعلامية لقضايا الأطفال، من نقص التدريب وسقوط بعض أخلاقيات المهنة، إلى غياب كادر قانوني يوازن بين حرية الإعلام وحقوق الطفل. واليوم، يشكّل قانون الإعلام الجديد فرصة لتطوير التشريعات ومدونات السلوك من خلال اللجنة الوطنية المنبثقة عنه.
ومن أبرز المقترحات منع الترويج للبيدوفيليا تحت ذريعة حرية التعبير بحسب النائبة حليمة قعقور وعدم نشر صور الأطفال أو أسمائهم حتى عندما يكونون ضحايا جرائم أو تعذيب، وفقاً الصحافي إدمون ساسين. كما يشدد ساسين على ضرورة تأمين الدعم النفسي وإعادة تأهيل الأطفال المتضررين، لا الاكتفاء بحمايتهم من التغطية الإعلامية.
في المقابل، تعمل منظمة «إنقاذ الطفال» على إعداد إرشادات عملية تساعد الإعلاميين على تغطية قضايا الأطفال بأمان. من هنا تشدد الخبيرة في حوكمة حقوق الطفل في المنظمة مايا أبي سمرا على ضرورة التركيز على وسائل التواصل الاجتماعي والبث المباشر، لأن النشر اليوم لا ينتهي عند التقرير التلفزيوني. "يجب التفكير في العنوان، والصورة المصغرة، والتعليقات وإعادة النشر، وما إذا كانت هذه العناصر يمكن أن تكشف الطفل أو تعرّضه للتنمر أو الوصم أو لأي ضرر لاحق".
لكن وجود الإرشادات وحدها لا يكفي، إذ يجب تدريب العاملين والعاملات في مجال الإعلام، وتزويدهم بأدوات عملية تساعدهم في عملهم، مثل نماذج الموافقة وقبول الطفل، وقوائم بسيطة لتقييم المخاطر والتأكد من حماية الطفل قبل المقابلة وقبل النشر. فرسالة المنظمة واضحة: "للطفل الحق أن يكون له صوت في الإعلام، ولكن هذا الصوت يجب أن يكون آمناً. والأهمّ من ذلك، كشف الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها، من دون تعريض الطفل لانتهاك جديد بسبب التغطية الإعلامية".
نبض