لبنان وباريس... 25 عاماً من تدوير الأزمة

لبنان 26-09-2026 | 09:13

لبنان وباريس... 25 عاماً من تدوير الأزمة

من إنقاذ المالية إلى تمويل الإصلاح: كيف تحوّلت مؤتمرات باريس من إدارة الأزمات إلى ربط التمويل بالإصلاح؟
لبنان وباريس... 25 عاماً من تدوير الأزمة
رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري في مؤتمر سيدر في باريس. (النهار)
Smaller Bigger

كامليا سعادة

منذ مطلع الألفية، لم تكن علاقة باريس بلبنان مجرد علاقة بين دولة مانحة ودولة تحتاج إلى الدعم. فقد احتفظت فرنسا بارتباط سياسي خاص بلبنان، تعزّز خلال عهد الرئيس جاك شيراك، الذي أقام علاقة وثيقة مع رئيس الوزراء رفيق الحريري، فيما شكّل لبنان بالنسبة إلى باريس جزءاً ثابتاً من حضورها السياسي في الشرق الأوسط. وفي هذا السياق، تحوّلت باريس إلى منصة أساسية لحشد الدعم الدولي للبنان، من باريس إلى "سيدر".

لكن من باريس إلى باريس، لم تكن الأزمة اللبنانية تقف في المكان نفسه. كانت تتبدّل ملامحها في كل محطة، فيما يبقى السؤال نفسه معلّقاً: ماذا فعل لبنان بالفرص التي أتاحها له الدعم الدولي؟

في 2001، كان المطلوب دعم دولة يثقلها الدين والعجز. وفي 2002، انتقل التركيز إلى خفض كلفة الدين وإعادة ترتيب أعبائه. وبعد حرب تموز 2006، تحوّل الاهتمام إلى إعادة الإعمار والتعافي. أما في 2018، فلم تعد المسألة تقتصر على تأمين التمويل؛ إذ أصبح الحصول على جزء من التمويل مرتبطاً بالتقدم في مسار الإصلاح.

بين مؤتمر وآخر، تضخّمت التعهّدات من مئات ملايين اليورو إلى مليارات الدولارات. لكن الفجوة بين ما أُعلن في باريس وما نُفّذ في بيروت اتّسعت بالقدر نفسه.

وهنا تبدأ القصة الحقيقية.
فالأرقام التي تُتداول عن مؤتمرات باريس لا تعني أن المبالغ نفسها دخلت خزينة الدولة نقداً. فالتعهّد ليس صرفاً، والتمويل الذي أُتيح للبنان لم يكن كله قابلاً للإنفاق الحكومي المباشر؛ إذ توزّع بين دعم مالي، وتمويل لمشاريع وبرامج محددة، ومساعدات مرتبطة بإصلاحات وشروط، فيما بقي جزء من التعهّدات غير مصروف. وفي "باريس III"، مثلاً، بلغت التعهّدات نحو 7.6 مليارات دولار، لكن نحو 52 في المئة منها كان قد صُرف بحلول نهاية أيار 2010، وفق البنك الدولي.

لذلك، لا تختصر الحكاية في سؤال: أين ذهبت المليارات؟ فالأكثر دلالة هو أن كل مؤتمر كان يأتي لمعالجة أزمة خلّفها ما سبقه، فيما بقيت اختلالات أساسية من دون معالجة كافية، لتظهر مجدداً في المؤتمر التالي.


"باريس I": حين كانت الأولوية دعم المالية العامة
عندما عقد مؤتمر "باريس I" في شباط 2001، لم يكن لبنان قد وصل بعد إلى الانهيار الذي سيشهده بعد عام 2019. لكنه كان عالقاً في معادلة مالية صعبة: دين متراكم، عجز مرتفع، ونمو اقتصادي لا يكفي لتغيير الاتجاه.

كان الهدف تخفيف الضغوط المالية وتهيئة الظروف لإعادة ضبط المالية العامة قبل أن تصبح كلفتها أكبر. لذلك ارتبط الدعم بإجراءاتٍ مالية وهيكلية هدفت إلى تحسين الإيرادات، وضبط الإنفاق، وتحديث الإدارة الضريبية، وتشجيع الاستثمار والإصلاح.

وفي هذا السياق، جاءت ضريبة القيمة المضافة التي أُقرّت عام 2002، من ضمن مسار إصلاحي أوسع استهدف تعزيز الإيرادات العامة. لكن تجربة "باريس I" أظهرت مبكراً مشكلة ستتكرر لاحقاً: يمكن تأمين التمويل عبر مؤتمر دولي، لكن تحويله إلى إصلاح مستدام يبقى رهناً بالقرار السياسي والقدرة على التنفيذ والاستمرار في الداخل.


"باريس II": المال الذي اشترى وقتاً
بعد أقل من عامين، عاد لبنان إلى باريس. لكن هذه المرة، لم تعد القضية مجرد تمويل التنمية؛ أصبح الدين نفسه في قلب المعالجة.

في "باريس II"، في تشرين الثاني 2002، كان الهدف خفض كلفة الاقتراض، وإطالة آجال الدين، واستعادة الثقة بالمالية العامة. وبلغت التعهّدات نحو 4.3 مليارات دولار، بينها 3.1 مليارات دولار لدعم الموازنة، فيما خُصص الجزء المتبقي لقروض مرتبطة بمشاريع، بحسب صندوق النقد الدولي.

وكان للأموال أثر مباشر على إدارة الدين. كما ساهمت الحزمة المالية وإعادة ترتيب الدين في تخفيف أعباء خدمته، فيما انخفضت مدفوعات الفوائد من نحو 17 في المئة من الناتج عام 2002 إلى نحو 10 في المئة عام 2005، وفق صندوق النقد الدولي.

لكن هذا التحسن المالي لم يكن كافياً لتغيير البنية التي أنتجت الدين. فقد رافقت المعالجة المالية حزمة من الإصلاحات الهيكلية، شملت خططاً للخصخصة وإعادة هيكلة بعض القطاعات، إلا أن التوافق السياسي تراجع، وتعطلت أجزاء أساسية من البرنامج.

بعبارة أخرى، خفّف التمويل ضغط الدين، لكنه لم يعالج بما يكفي العوامل التي كانت تعيد إنتاجه. منح "باريس II" لبنان مساحة للتنفّس، لكنه لم يحسم أزمته المالية.


"باريس III": إعادة الإعمار على وقع الإصلاح
ثم جاءت حرب تموز 2006 لتضيف طبقة جديدة إلى الأزمة. لم يعد لبنان يواجه الدين والعجز فقط، بل أصبح عليه أيضاً تمويل التعافي وإعادة الإعمار، فيما كانت المالية العامة تحمل أصلاً إرثاً ثقيلًا.

في كانون الثاني 2007، عقد "باريس III"، وتعهد المانحون نحو 7.6 مليارات دولار من ضمن برنامج جمع بين دعم المالية العامة، والإصلاح الهيكلي، وإعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي.

لكن الرقم الذي بقي في الذاكرة اللبنانية يحتاج إلى تفكيك.

فالـ7.6 مليارات دولار لم تكن مبلغاً نقدياً واحداً دخل الخزينة. كانت مزيجاً من قروض ومنح ودعم للموازنة وتمويل لمشاريع ومساهمات عبر مؤسسات متعددة الطرف. والأهم أن التعهّد لا يعني الصرف.

وبحلول أيار 2010، كان نحو 52 في المئة فقط من إجمالي التعهّدات قد صُرف، فيما كانت 76 في المئة منها قد وُقّعت في اتفاقات، وفق البنك الدولي. وأشار البنك أيضاً إلى أن جهود الإصلاح تعرضت لانتكاسة بسبب الانسداد السياسي، بينما تقدمت إعادة الإعمار والتعافي بوتيرة أسرع.

وهنا ظهر الفرق بين تمويل إعادة بناء ما هدمته الحرب، وإصلاح ما كان يثقل الدولة قبل الحرب.


من تمويل الأزمة إلى ربط التمويل بالإصلاح
بين "باريس I" و"باريس III"، تغيّرت وظيفة المؤتمرات تدريجاً.

في البداية، كان المال أداة لاحتواء الأزمة. ثم أصبح وسيلة لإعادة ترتيب الدين. ومع الوقت، بات الحصول على التمويل مرتبطاً بصورة أكبر بتنفيذ إصلاحات مالية وهيكلية.

لم يعد السؤال فقط: كم يحتاج لبنان؟

بل أصبح: ماذا سيفعل لبنان حتى يتحول التمويل إلى تغيير اقتصادي؟

أظهرت التجربة أن ضخ الأموال يستطيع تخفيف الضغط عن المالية العامة، لكنه لا يضمن وحده معالجة الاختلالات التي أنتجت الدين والعجز. وهكذا، انتقلت المعادلة تدريجاً من تمويل الدولة لتجاوز أزمتها إلى ربط جزء أكبر من التمويل بإصلاحها.

وكان "سيدر" التعبير الأوضح عن هذا التحول.

"سيدر": حين أصبح التمويل مرتبطاً بالإصلاح

في 2018، كان لبنان يدرك مشاكله جيداً: كهرباء تستنزف المالية العامة، دين مرتفع، نمو ضعيف، واستثمار متراجع في البنية التحتية، إلى جانب حاجة واضحة إلى إصلاح الإدارة والحوكمة.

لكن باريس لم تعرض هذه المرة تمويلاً فقط. كان التمويل مرتبطاً بمسار إصلاحي واضح.

تعهّد مؤتمر "سيدر" أكثر من 11 مليار دولار من القروض الميسّرة والمنح لدعم خطة الاستثمار الرأسمالي اللبنانية. لكن هذه الأموال لم تكن شيكاً جاهزاً للصرف؛ فقد ارتبطت بمشاريع وبإصلاحات وبإطار أفضل لإدارة الاستثمار العام. وفي 2019، أكد صندوق النقد الدولي أن تنفيذ الإصلاحات سيكون أساسياً لتشجيع المانحين على صرف التمويل الميسّر المتعهد به.

هنا تبدّلت المعادلة بوضوح:

لم يعد المال يسبق الإصلاح، بل أصبح الإصلاح جزءاً من الطريق إلى المال. لكن لبنان لم يصل إلى هذه المرحلة بالسرعة المطلوبة.

في 2019، كانت الاختلالات المالية تتفاقم، فيما بقيت إصلاحات أساسية في الكهرباء والمالية العامة والحوكمة وإدارة الاستثمار العام غير مكتملة. ثم جاء الانهيار المالي. وهنا تحديداً يجب الحذر من العبارة الشائعة بأن "11 مليار دولار اختفت".

هذه الأموال لم تدخل خزينة الدولة كتلة نقدية واحدة ثم اختفت؛ كانت تعهدات بتمويل ميسّر ومنح مرتبطة بخطة استثمارية ومشاريع وإصلاحات، وكان صرف التمويل مرتبطاً بالتقدم في تنفيذها.

لذلك، فإن قصة "سيدر" ليست قصة مليارات اختفت، بقدر ما هي قصة تمويل متعهد به لم يتحول، قبل الانهيار، إلى استثمارات بالحجم الذي كان مأمولاً.


أين ذهبت أموال باريس؟
الخطأ يبدأ من جمع أرقام المؤتمرات الأربعة والتعامل معها كأنها مبلغ واحد دخل لبنان ثم اختفى.

كل مؤتمر كان له تركيب مالي مختلف، كما اختلفت طبيعة التمويل وآليات صرفه.

في "باريس II"، ذهب الجزء الأساسي من التمويل المخصص للدعم المالي إلى الموازنة وإدارة الدين، فيما خُصص الجزء الآخر لقروض مرتبطة بمشاريع.

في "باريس III"، توزعت التعهدات بين دعم الموازنة وإعادة الإعمار والمشاريع والتمويلات الميسّرة ومساهمات عبر جهات متعددة. ولذلك، لم يتحول الرقم الإجمالي إلى أموال نقدية متاحة للحكومة بالطريقة نفسها.

أما في "سيدر"، فارتبط التمويل المستهدف بخطة استثمارية وبسلسلة من الإصلاحات وآليات إدارة الاستثمار العام، ما جعل صرفه مرتبطاً الى درجة أكبر بالتقدم في تنفيذ هذه الالتزامات.

إذن، لا توجد "خزنة باريس" يمكن فتحها والعثور فيها على عشرات المليارات المفقودة.

لكن توجد مشكلة أخرى، وربما هي الأهم:
ماذا تغيّر في لبنان في مقابل كل هذا التمويل، وكل هذه الخطط، وكل هذا الوقت؟


أموال وصلت... لكن ماذا صنعت؟
حققت مؤتمرات باريس نتائج ملموسة في مراحل مختلفة، وإن اختلفت طبيعتها من مؤتمر إلى آخر.

في "باريس II"، ساهمت الحزمة المالية في خفض كلفة الدين وإعادة ترتيب أعبائه.

وفي "باريس III"، ساهم التمويل في دعم إعادة الإعمار والتعافي بعد حرب تموز، بينما أظهرت بيانات البنك الدولي أن التقدم في إعادة الإعمار كان أكبر من التقدم في برنامج الإصلاح.

أما "سيدر"، فوضع إطاراً استثمارياً واسعاً، وربط التمويل الميسّر بمسار من الإصلاحات التي استهدفت دعم النمو وتحسين البنية التحتية والحوكمة.

لكن أياً من هذه المحطات لم يحوّل الدعم الموقت إلى استدامة مالية واقتصادية.

خفض كلفة الدين لا يكفي إذا بقي العجز. وإعادة الإعمار لا تكفي إذا بقيت المالية العامة مختلة. والاستثمار لا يكفي إذا بقيت مؤسسات الدولة غير قادرة على تنفيذ الإصلاحات اللازمة لحمايته واستدامته.

وهكذا، كان لبنان يخرج من كل محطة وقد حصل على مساحة إضافية للمناورة، من دون أن يعالج بما يكفي الاختلالات التي كانت تعيد إنتاج الأزمة.


لماذا بقيت الإصلاحات معلّقة؟
الإصلاحات المطلوبة لم تكن مجرد إجراءات تقنية. إصلاح قطاع الكهرباء كان يعني وقف نموذج مالي استنزف المالية العامة لسنوات. وإصلاح المالية العامة كان يفرض إعادة النظر في الإنفاق والإيرادات والضرائب. أما إعادة هيكلة مؤسسات الدولة وإدارة أصولها ومرافقها العامة، فكانت تعني تغيير قواعد الإدارة نفسها، لا مجرد إدخال تعديلات عليها.

أما تحسين الحوكمة، فكان يتطلب تعزيز آليات الرقابة والشفافية، وتحسين آليات صنع القرار والمساءلة.

لذلك، لم تكن العقبة تتمثل في غياب القوانين أو الخطط فحسب، بل في القدرة على تنفيذ الإصلاحات وتحويلها إلى سياسات مستدامة، ثم الاستمرار فيها.

وتكشف الوثائق الدولية هذه الفجوة بوضوح. ففي مرحلة "باريس III"، أشار البنك الدولي إلى أن جهود الإصلاح تعرضت لانتكاسة بفعل الانسداد السياسي ومحدودية التقدم في تنفيذ البرنامج، في وقت كانت فيه إعادة الإعمار والتعافي تتقدمان بوتيرة أسرع. وفي مرحلة "سيدر"، ربط صندوق النقد الدولي تنفيذ الإصلاحات بقدرة لبنان على جذب التمويل الميسّر الذي تعهّد به المانحون، مشدداً على إصلاح قطاع الكهرباء والمالية العامة، إلى جانب تعزيز الحوكمة وتحسين إدارة الاستثمار العام.
كلما تعثرت السياسة، تعثّر معها جزء من البرنامج الاقتصادي.

 

وهكذا، تحوّل التمويل تدريجاً من أداة لاحتواء الأزمة إلى وسيلة لكسب الوقت. لكن المشكلة أن الوقت نفسه لم يُستثمر دائماً في تغيير أسباب الأزمة.


لبنان لم ينتقل من حل إلى حل... بل من أزمة إلى أخرى


في 2001، كان العنوان الدين والعجز.

في 2002، أصبح العنوان كلفة الدين.

في 2007، أضيفت الحرب وإعادة الإعمار.

وفي 2018، أصبح العنوان النمو والاستثمار والبنية التحتية.

ثم، في 2019، دخل لبنان في أزمة مالية واقتصادية عميقة، بعدما تراكمت اختلالات كانت الإصلاحات المطروحة تستهدف معالجتها. وكان صندوق النقد الدولي قد حذّر في ذلك العام من ارتفاع العجز والدين وضعف النمو، داعياً إلى إصلاحات مالية وهيكلية طال انتظارها.

تغيّرت أسماء الأزمات، لكن جذوراً كثيرة بقيت في مكانها:

الدين.
العجز.
الكهرباء.
ضعف النمو.
الإنفاق العام.
الإدارة.
الحوكمة.
والعجز عن تنفيذ الإصلاحات والاستمرار فيها.

لهذا، لم تتحول المؤتمرات إلى مسار متصل يقود إلى اقتصاد أكثر استدامة، بل بقيت محطات متتالية لاحتواء الأزمات، فيما كانت أزمة جديدة تلوح قبل أن تُستكمل معالجة السابقة. 


ماذا تركت باريس للبنان؟
أكثر من مجرد أرقام.

في مراحل مختلفة، وفّرت المؤتمرات تمويلًا ساعد على تخفيف الضغوط المالية، وتمويل إعادة الإعمار، وتحسين شروط الدين. لكنها خلّفت أيضاً سلسلة طويلة من البرامج والخطط، تكشف أن الاختلالات التي كان يعانيها لبنان لم تكن مجهولة لدى المجتمع الدولي.

كانت وصفة الإصلاح معروفة إلى حد كبير: تحسين المالية العامة، خفض العجز، إصلاح الكهرباء، تحسين الإدارة، تعزيز الاستثمار، إعادة هيكلة المؤسسات، ضبط الدين، وتعزيز الحوكمة.

لكن الفارق كان بين معرفة ما يجب إصلاحه والقدرة على تحويله إلى سياسة مستمرة قابلة للتنفيذ.

وهنا، لا يمكن تحميل مؤتمرات باريس وحدها مسؤولية النتيجة اللبنانية. فهذه المؤتمرات لم تكن الحكومات اللبنانية في خلالها صاحبة القرار في بيروت. لقد وفّرت التمويل، وربطت جزءاً منه بإصلاحات وشروط، ودعمت برامج إصلاحية بدرجات مختلفة.

أما تنفيذ هذه البرامج، فكان في النهاية مسؤولية الدولة اللبنانية ومؤسساتها السياسية والإدارية. وهذا تحديداً ما يجعل تجربة ربع القرن أكثر دلالة.

فالمشكلة لم تكن أن لبنان لم يحصل على فرص، بل أن هذه الفرص لم تتحول إلى مسار إصلاحي مستدام.


المليارات لم تختفِ... لكن الوقت ضاع
مدى 25 عاماً، لم يكن لبنان يذهب إلى باريس ليطلب المال فقط. كان يذهب ليكسب وقتاً: وقتاً لخفض كلفة الدين، وإعادة بناء ما هدمته الحرب، وإطلاق استثمارات جديدة، وربط التمويل بإصلاحات طال انتظارها.

لكن الوقت الذي أتاحته المؤتمرات لم يتحول بالسرعة نفسها إلى إصلاح. ومع كل محطة، كان لبنان يحصل على تمويل أو تعهّدات جديدة، فيما تبقى اختلالات أساسية من دون معالجة كافية.

لذلك، لا تختصر قصة باريس في سؤال: "أين ذهبت المليارات؟". السؤال الأدق هو: كم من المليارات وصل فعلاً؟ وكم صُرف؟ وكم بقي تعهداً أو تمويلاً مشروطاً؟ والأهم: ماذا تغيّر في لبنان في مقابل كل ذلك؟

فالـ500 مليون يورو في باريس I لم تكن الـ4.3 مليارات دولار في "باريس II"، والـ7.6 مليارات في "باريس III" لم تكن مبلغاً نقدياً واحداً، والـ11 مليار دولار في "سيدر" لم تكن أموالاً جاهزة في خزينة الدولة.

لكن حين توضع المؤتمرات الأربعة على خط زمني واحد، يظهر ما هو أبعد من مجموع الأرقام: لبنان حصل على فرص متكررة لتصحيح مساره، لكنه لم ينجح في تحويل هذه الفرص إلى مسار إصلاحي مستدام.

باريس لم تكن المشكلة، والمليارات لم تكن المشكلة وحدها. المشكلة كانت في المسافة بين التعهّد والتنفيذ، وبين التمويل والإصلاح، وبين الإصلاح وقدرة الدولة على الاستمرار فيه.

فالمؤتمر يستطيع أن يفتح باب التمويل، والمانح يستطيع أن يضع المال على الطاولة، والدولة تستطيع أن توقّع على برنامج. لكن لا شيء من ذلك يبني وحده مؤسسات قادرة على الاستمرار.

وهذا هو الحساب الحقيقي الذي بقي مفتوحاً من "باريس I" إلى "سيدر": ليس كم ملياراً وُعِد بها لبنان، بل كم فرصة حصل عليها، وكم منها تحوّل فعلاً إلى إصلاح قبل أن تبدأ الأزمة التالية؟

الأكثر قراءة

لبنان 9/25/2026 2:22:00 PM
أثارت تغريدة لرئيس مجلس التنسيق المسيحي الدكتور فؤاد أبو ناضر، تحدث فيها عن "القرض الأحسن للمسيحيين"، جدلاً واسعاً، ولا سيما بعدما ربطها البعض بتجربة "القرض الحسن" وآليات عمله.
فن ومشاهير 9/24/2026 11:03:00 AM
أثار الفنان أحمد العوضي جدلاً جديداً إثر تصريحات فُسرت على أنها إساءة للمرأة، بسبب رده بفيديو حذفه سريعاً، وسط هجوم إعلامي لاذع.
رياضة 9/14/2026 4:33:00 PM
الكويت تستضيف كأس السوبر السعودي لأول مرة في تاريخ البطولة خلال كانون الأول / ديسمبر 2026، بمشاركة أربعة أندية منها النصر في استاد جابر الأحمد الدولي