بولس نعمان… راهبٌ حمل لبنان في قلبه ووجدانه

لبنان 21-09-2026 | 14:58

بولس نعمان… راهبٌ حمل لبنان في قلبه ووجدانه

رحل الأباتي نعمان عن أربعة وتسعين عاماً، بعد مسيرة طويلة توزعت بين الرهبنة والتعليم والبحث التاريخي والشأن الوطني.
بولس نعمان… راهبٌ حمل لبنان في قلبه ووجدانه
الأباتي بولس نعمان
Smaller Bigger

البروفسور فادي جورج قمير 


ودّعت الكنيسة المارونية والرَّهبانيَّة اللبنانيَّة المارونية وبلدة شرتون في قضاء عاليه الأسبوع الماضي، بصلاةٍ وحزنٍ، قدس الرئيس العام الأسبق للرهبانيَّة اللبنانيَّة المارونيَّة الأباتي بولس نعمان، تاركا وراءه إرثا فكريّا وروحيّا غنيّا في قضايا ومواضيع مختلفة، غير أن التاريخ والانسان والوطن والحريّة كانت أبرزها. 

 

في هذه المناسبة لا يسعني إلاّ أن أتذكّر الصديق العزيز الراحل الكبير بكثير من الحب والوفاء. هو الذي شرّفني يومًا وزارني عام 2015 في مكتبي عندما كنت مديرًا عامًّا للموارد المائية والكهربائية وأهدى إليّ كتابه الرائع "لبنان الموارنة إلى أين؟" قرأته حينها بإعجابٍ وشغفٍ كبيرين وكانت قراءته باعثة على تأمّلٍ ثري ومُلهم وداعية إلى التفكير وتبادل الرؤى، وقد تأثّرت به كثيرا ولا سيّما الفصل الأخير منه: "هل انتهى عهد الكبار؟" هذا الكتاب وتحديدا هذا الفصل يجب على كلّ مسؤول يتعاطى الشأن العام أن يقرأه.

 

والآن بعد رحيله أعدت قراءته وغصت فيه بصمتٍ مهيب، فأعادني إلى ذلك النوع من التأمّل الذي لا تنتهي آثاره بانتهاء القراءة. هو فصلٌ يوقظ الفكر، ويُحفِّز على تأمّلٍ عميق وخصب، ويفتح المجال أمام تفكيرٍ مشترك وتبادل ثريّ للأفكار والرؤى ويدعوني إلى البَوح بها ومشاركتها أصحاب الفكر، ولا سيّما الفقرة التالية: "لقد شهد تاريخُ لبنان حصول مثل هذه الحالات. فكلّ مرّة لم نحترم الآخر، بغضِّ النّظر عن الأكثريّة والأقليّة العددية، وقعت الأزمات والتدخّلات الخارجيّة والحروب: حين اتّفق الماروني والدرزي (الإمارة) حرد المسلمون، وحين اتفّق الماروني والمسلم السنّي (الميثاق الوطني) حرد الدروز، وحين اتّفق الماروني والسنّي والدرزي (انتفاضة 14 آذار) انتفض الشيعة. وحين اتّفق الجميع (ولو باطنيّا) خرج الغرباء واستعاد لبنان وحدته وسيادته واستقلاله". فكانت المشاركة من خلال هذه الصفحة الكريمة.

 

برحيل الأباتي بولس نعمان، لا يغيب راهبٌ فحسب، ولا مؤرخ وأستاذ أكاديمي، بل تطوي الرَّهبانية اللبنانيَّة المارونية صفحة من صفحات رهبانٍ عاشوا الرهبنة بوصفها التزاما بالإنسان، وعاشوا الوطن قضيةً، والحرية مسؤوليةً لا تكتمل الحياة من دونها.

 


رحل الأباتي نعمان عن أربعة وتسعين عاماً، بعد مسيرة طويلة توزعت بين الرهبنة والتعليم والبحث التاريخي والشأن الوطني. وكان من الوجوه البارزة في الرهبانية اللبنانية المارونية، كما تولّى رئاستها العامة، وترك في الكتابة والتاريخ شهادةً على لبنان الذي عرفه وعاش أزماته وتحوّلاته. 

 


إنَّ قيمة الرجل لا تختصرها المناصب ولا السنوات. فالأباتي نعمان كان مفكّرا، وصاحب ذاكرة. حمل بقلق همّ وطنه. ولعلّ أفضل مدخل إلى عالمه الفكري تلك الكلمات الثلاث التي اختارها عنوانا لمذكراته: الإنسان، الوطن، الحرية.

 


لم تكن هذه الكلمات بالنسبة إليه مجرّد عنوان لكتاب. ففي حديثه عن مذكراته قال بوضوح إن وراءها تاريخا طويلا من النضال، وإنها تعبّر عن مأساة إنسانية ظل يتحسّسها في فكره ووجدانه، وهو يتابع تاريخ تكوّن لبنان وطنا حرا سيدا مستقلا. وكان سؤاله الذي يختصر كثيرا من هواجسه: "لماذا هذه الواحة من الحرية في صحراء من الإذلال للإنسان؟" 

 


كتب الأباتي نعمان مذكّراته ليس لمجرّد الحديث عن سيرته الشخصية فقط، وإنّما انطلاقا من أمانته، لكونه عاصر مرحلة تاريخية صعبة، وهو بما يملك من ذاكرة وشهادة اعتبر نفسه مسؤولاً عن نقلها بأمانة إلى الأجيال لكي يكون وفيّا للتضحيات والدِّماء التي  سُفكت دفاعا عن الوطن.  

 


من هنا نفهم لماذا لم يكن التاريخ عنده مجرّد سردٍ للأحداث. كان ذاكرة أخلاقية. أن نتذكّر يعني أن نتحمّل مسؤولية ما حدث، وأن نقرأ الماضي لا لكي نبقى أسرى له، بل لكي نفهم الحاضر ونحمي المستقبل.


"الإنسان، الوطن، الحرية". هذه الثلاثية تختصر إلى حد كبير فكر الأباتي نعمان.
فالإنسان كان نقطة البداية. لم تكن الحريَّة عنده فكرة مجرّدة منفصلة عن الإنسان، ولم يكن الوطن بالنسبة إليه مجرّد أرض وحدود. الوطن هو المكان الذي يستطيع فيه الإنسان أن يعيش بكرامة وبحريّة وأن يشارك في بناء مجتمعه.

 

في إحدى كتاباته لخّص هاجسه بقوله: "ما بديل لبنان حصنا للحرية، وقد تطوّرت تقنيّات الشرّ؟" 

 

إنها ليست عبارة سياسية عابرة، بل سؤال وجودي عن لبنان ودوره. ماذا يبقى من الوطن إذا فقد الإنسان حرّيته؟ وماذا يبقى من الحريَّة إذا لم يكن هناك وطن يحميها ويجعلها ممكنة؟ 

 

لذلك ظلّ الأباتي نعمان ينظر إلى لبنان بوصفه تجربة إنسانية قبل أن يكون مجرّد كيان سياسي. تجربة تقوم على التعدّد، والانفتاح، والقدرة على أن يعيش فيه المختلفون مًا.

 

"المارونية رسالة تحرير مشرقيّة"

من أبرز العبارات التي تركها في هذا المجال قوله: "المارونية رسالة تحرير مشرقيّة".
قالها في سياق حديثه عن تاريخ الموارنة ودورهم في الشرق، وربطها بمفهوم الإنسان الحرّ والمُحرَّر، وبفكرة الانفتاح على الآخر المختلف بدل رفضه. وفي رؤيته، لا تكون الهوية المارونية انغلاقا على الذات، بل تبدو انفتاحا على الإنسان وعلى التعدّد وعلى الحضارة. وفي الكلمة نفسها شدّد على أن المجتمع الماروني، في قراءته للتاريخ، عرف كيف يكون منفتحا، يقبل الآخر مع اختلافه، ويرى في الوحدة ضمن التنوع ثراءً للإنسان. 
وهنا تكمن إحدى أهم رسائل الأباتي نعمان: "الانتماء الحقيقي لا يحتاج إلى إلغاء الآخر لكي يثبت ذاته".


الموارنة شهودٌ للحرية

"قُدّر للموارنة أن يكونوا شهودا للحرية في هذا الشرق، وقُدِّر لأسياد يانوح وقنّوبين والديمان وبكركي أن يحملوا هموم الموارنة وهموم الحرية، وما أكثر، وما أثقل هموم الحرية وهموم الموارنة في لبنان وفي الشرق...!"

 

وفي سؤال عن مساحة لبنان: "إن لم تكُن للبنان مساحةٌ ثابتة، فمساحته كانت دوما مساحة الحرية عند الموارنة وفي الشرق، فإذا كانت الحرية بخير عند الموارنة وفي الشرق كانت رقعة لبنان تمتد إلى أوسع من حدوده التاريخية، أمّا إذا كانت الحرية في محنة عند الموارنة وفي الشرق، فإنّ رقعة لبنان تتقلّص إلى أضيق ممّا نقيم عليه اليوم(...)".

 

راهب لم ينعزل عن وطنه

قد يبدو للوهلة الأولى أن حياة الراهب تقوم على الابتعاد عن صخب العالم. لكن تجربة بولس نعمان تقول شيئًا آخر.

 

لقد عاش الرهبنة في قلب المجتمع، والتعليم في قلب الجامعة، والتاريخ في قلب الذاكرة اللبنانية، والوطن في قلب اهتمامه. ومن الدير إلى جامعة الروح القدس - الكسليك، ومن المسؤولية الرهبانية إلى الكتابة والتأريخ، بقي السؤال واحدا: كيف يمكن الإنسان أن يحافظ على حريته وكرامته في وطن تتقاذفه الأزمات؟ 
ولعل أجمل ما في تجربته أنه لم يكتفِ بالكلام عن القيم، بل حاول أن يجعل من حياته شهادة عليها.

 

هو في مصاف الكبار العظماء الذين خلّدوا ذكراهم في كنيسة الأرض، كما سيُخلَّدون في كنيسة السَّماء. ولا نستطيع إلّا أن نتذكّره في أقواله الخالدة كما في مواقفه وكل مسيرته. كما نتذكّر الكبار الذين تركوا بصماتٍ لا يمكن نسيانها وبقيت وستبقى محفورة في الذاكرة. 


بولس نعمان إرث لا يُختصر في كتاب.


بعد رحيله، لن يكون من السهل اختصار بولس نعمان في لقب "الأباتي"، أو "المؤرخ"، أو "الأستاذ الجامعي"، أو "الرئيس العام السابق للرهبانية اللبنانيَّة المارونيَّة". فكل لقبٍ من هذه الألقاب يُضيء جانبا منه، لكن مجموعها لا يكشف الرجل كله. 

 


لقد ترك كتبا وأبحاثا وشهادات، وترك قبل ذلك كله أسئلة. أسئلة عن لبنان، وعن الحرية، وعن الإنسان، وعن معنى أن تكون الكنيسة في خدمة مجتمعها، ومعنى أن يكون التاريخ ذاكرةً حيّة لا أرشيفا صامتا. وربما لهذا السبب ستبقى بعض عباراته أكثر حضورا من سيرته الرسمية، لأنها تتوجّه إلى الأسئلة التي لا تموت.


الإنسان.
الوطن.
الحرية.

ثلاث كلمات اختارها عنوانًا لمذكراته، لكنها تبدو اليوم كأنها خلاصة وصيته الفكرية.

 

رحل الأباتي بولس نعمان، وبقي صوته ونبضه وعنفوانه في كتبه وشهاداته. بقي ذلك الراهب الذي أراد أن يرى الإنسان حرا، والوطن سيدا، والتعدّد مصدر غنى لا سببا للصراع. وبقيت كلماته تذكّرنا بأن الوطن ليس أرضا فقط، وأن الحرية ليست شعارا فقط، وأن الإيمان لا يكتمل إذا لم يتحوّل إلى خدمة للإنسان.


رحل الراهب الكبير بإيمانه، برسالته وبحبه لوطنه … أما الأثر، فلا يرحل. 
بولس نعمان، رحمك الله، فلترقد نفسك بسلام وليتغمّدك الله بوافر رحمته في الملكوت السماوي بصحبة الأبرار والقديسين، ويبلسم قلوب محبّيك بتعزيته الأبوية. 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

النهار بيديا 9/21/2026 11:05:00 AM
نعى الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم شقيقه الشيخ أحمد بن راشد آل مكتوم، الذي تُوفي صباح اليوم الاثنين، مستذكراً إياه بالدعاء، فيما كان الراحل شخصية بارزة في المجالات الأمنية والرياضية والاقتصادية في دبي، وشغل منصب نائب رئيس شرطة دبي والأمن العام وترأس نادي الوصل.
اقتصاد وأعمال 9/19/2026 8:09:00 PM
تبرز كهرباء زحلة باعتبارها التجربة اللبنانية الأوضح في إدارة شبكة توزيع محددة، مع تولي المشغل مسؤوليات التشغيل والصيانة والجباية والاستثمار وتحسين الخدمة.
اقتصاد وأعمال 9/20/2026 11:17:00 AM

تشهد ألمانيا ارتفاعاً غير مسبوق في إفلاس الشركات بسبب الركود وارتفاع كلفة الطاقة، مع تأثيرات واسعة على الاقتصاد الأوروبي والعلاقات مع العالم العربي.

صحة وعلوم 9/19/2026 11:59:00 AM
مع تغيّر مفهوم السعادة، لم يعد الزواج الخيار الوحيد لبناء حياة مستقرّة ومرضية.