صندوق النقد يعود إلى لبنان تحت وطأة التصعيد الإسرائيلي
دخل لبنان أسبوعاً مزدحماً بالتصعيد العسكري والاستحقاقات السياسية والمالية، مع اشتداد الهجمات الإسرائيلية على الجنوب ورفع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو سقف تهديداته، عشية جلسة نيابية لمناقشة الحكومة وزيارة مرتقبة لبعثة صندوق النقد الدولي، فيما شددت حركتا "أمل" و"حزب الله" على تسريع إعادة الإعمار.
وترسم هذه التطورات مشهداً لبنانياً تتقاطع فيه ثلاثة ضغوط: ميدان جنوبي مفتوح على مزيد من التصعيد، واحتقان سياسي يتهيأ للانتقال إلى مجلس النواب، وملفات مالية شائكة تعود إلى طاولة المفاوضات مع صندوق النقد.
غارات مكثفة وتهديدات إسرائيلية
ميدانياً، تصاعدت الهجمات الإسرائيلية على عدد من مناطق الجنوب، وشملت غارات وقصفاً مدفعياً استهدفا بلدات ومواقع في أكثر من قطاع، في ظل استمرار التحليق المكثف للطائرات الحربية والمسيّرات وسماع أصوات انفجارات في مناطق واسعة.
وجاء التصعيد بالتزامن مع إعلان نتنياهو تحقيق ما وصفه بـ"انتصار كبير" على "حزب الله"، زاعماً أن القوات الإسرائيلية دمّرت "أكبر معاقلط الحزب في مرتفعات قلعة الشقيف وتلال علي الطاهر.
وقال نتنياهو، في منشور عبر منصة "إكس"، إن إسرائيل ستواصل تدمير ما سمّاه "البنية التحتية للإرهاب في المنطقة الأمنية في لبنان"، وإزالة كل تهديد عنها.
ووجّه تهديداً مباشراً إلى خصوم إسرائيل، قائلاً إنهم سيتلقون "ضربات أشد" إذا قرروا مهاجمتها مجدداً، ومضيفاً أن هناك "عملاً يجب استكماله".

وتعكس تصريحات نتنياهو توجهاً إسرائيلياً إلى إبقاء العمليات العسكرية في لبنان مفتوحة، في وقت تتزايد المخاوف من اتساع رقعة التصعيد وانعكاساته على السكان وحركة النزوح وإمكانات إعادة الإعمار.
مجلس النواب يناقش الحكومة
سياسياً، ينتقل جزء من المواجهة إلى ساحة النجمة، حيث يستعد مجلس النواب لعقد جلسة عامة لمناقشة الحكومة وأدائها في ظل الأزمات المتلاحقة التي تواجه البلاد.
ومن المتوقع أن تتحول الجلسة إلى مساحة لمساءلة الحكومة بشأن طريقة تعاطيها مع التطورات الأمنية والسياسية والاقتصادية، ولا سيما ملف الحرب في الجنوب، وموقف الدولة من الهجمات الإسرائيلية، وقضية السلاح، وتأخر إعادة الإعمار وعودة النازحين.

وتأتي الجلسة وسط انقسام سياسي حاد وتبادل للاتهامات بشأن المسؤولية عن إدارة المرحلة، ما يضع الحكومة أمام اختبار نيابي يتجاوز الملفات الخدماتية والاقتصادية إلى الخيارات السياسية والأمنية الكبرى.
"أمل" و"حزب الله": السلم الأهلي خط أحمر
في موازاة ذلك، عقدت قيادتا حركة "أمل" و"حزب الله" اجتماعاً بحثتا خلاله التطورات السياسية والوطنية والاقتصادية والاجتماعية، وشددتا في بيان مشترك على أن السلم الأهلي "خط أحمر ومسؤولية وطنية مشتركة".
وأكد الجانبان أن الشراكة الوطنية والعيش المشترك يشكّلان قاعدة أساسية لحماية لبنان، ورفضا أي مقاربة سياسية تقوم على الإقصاء أو الغلبة أو فرض الوقائع.
ودعا البيان إلى إبقاء الخلافات ضمن الأطر السياسية والدستورية ومعالجتها بالحوار والتفاهم والاحتكام إلى المؤسسات، محذراً من التحريض والتوتير وما قد يقود إليه من تهديد للاستقرار الداخلي.
واعتبرتا أن إعادة الإعمار وتعويض المتضررين وتأمين عودة الأهالي إلى قراهم وبلداتهم ليست ملفات قابلة للتأجيل، بل أولوية وطنية تتطلب تفعيل دور الدولة والاستفادة من الدعم العربي والدولي المتاح.
كما دعتا القوى السياسية إلى الابتعاد عن الحسابات الضيقة وتكثيف التواصل، معتبرتين أن لبنان لا يحتمل مزيداً من التعطيل أو التوتر.
صندوق النقد يعود والفجوة المالية في الواجهة
اقتصادياً، تبدأ بعثة صندوق النقد الدولي، الثلاثاء، زيارة إلى لبنان تستمر حتى الجمعة، وتعقد خلالها سلسلة من الاجتماعات مع وزارة المالية ومصرف لبنان والإدارات والجهات المعنية بالملفات المالية والاقتصادية والإصلاحية.
وتتصدر الفجوة المالية جدول المباحثات، إذ خُصصت لها اجتماعات مطولة مع مصرف لبنان يومي الثلاثاء والأربعاء، إلى جانب بحث إصلاح القطاع المصرفي واستعادة الثقة والعمل على استعادة الودائع.
وتتناول الاجتماعات أيضاً مشروع موازنة 2027 والإطار المالي متوسط الأجل، والأداء المالي والإيرادات والإنفاق، فضلاً عن إعادة الإعمار والإنفاق الاستثماري والاجتماعي.
ويحضر ملف الكهرباء مجدداً على طاولة الإصلاح من خلال اجتماع مع مؤسسة كهرباء لبنان لمناقشة التطورات والإصلاح الهيكلي في القطاع، فيما تُختتم الزيارة بجلسة تتناول الدين والتمويل.
وتكتسب زيارة البعثة أهمية إضافية في ظل الحاجة إلى تمويل إعادة الإعمار وتفاقم الأعباء الاقتصادية والاجتماعية الناتجة من الحرب، غير أن التقدم نحو اتفاق مع الصندوق يبقى مرتبطاً بقدرة السلطات اللبنانية على اتخاذ خطوات تنفيذية في ملفات توزيع الخسائر وإعادة هيكلة المصارف والمالية العامة.
نبض