رحيل الأباتي بولس نعمان... راهب "الإنسان والوطن والحرية"
غيّب الموت، اليوم الجمعة، الرئيس العام السابق للرهبانية اللبنانية المارونية الأباتي بولس نعمان، عن 94 عاماً، بعدما أمضى حياته بين الرهبنة والبحث التاريخي والعمل الأكاديمي والانخراط في القضايا الوطنية.
كان نعمان واحداً من أبرز الوجوه الروحية والفكرية التي واكبت أكثر مراحل لبنان الحديث اضطراباً. عاصر الحرب، وشارك في أحداثها من موقع وصفه بـ"المراقب الملتزم"، قبل أن يعود إليها مؤرخاً يقرأ الوقائع، ويراجع المواقف، ويبحث في ما يمكن أن تتعلمه الأجيال من أزمات الماضي.
وفي أحاديثه وكتاباته، ظلّ سؤاله المركزي متعلقاً بقدرة اللبنانيين على بناء دولة ديموقراطية تحمي الجميع، بعيداً من الهيمنة والولاءات المتنازعة. وكان يعتبر أن هوية لبنان الاستقلالية لم تعد حكراً على جماعة واحدة، بل باتت تجمع مسيحيين ومسلمين يؤمنون بالحرية وسيادة الدولة.
من شرتون إلى دراسة التاريخ في روما
وُلد بولس نعمان في بلدة شرتون بقضاء عاليه عام 1932، ودخل دير الابتداء سنة 1951. درس الفلسفة واللاهوت في جامعة الروح القدس–الكسليك، قبل أن ينتقل إلى روما ويتخصص في التاريخ في الجامعة الغريغورية.
انشغل خلال سنوات دراسته بالبحث في جذور المارونية ونشأة الكنيسة المارونية والظروف التي تكوّنت فيها. وقد دفعه النقص الذي لمسه في المراجع والدراسات الأكاديمية إلى تكريس جانب كبير من عمله لسدّ هذه الثغرة وتقديم قراءة تاريخية موثقة لمسيرة الموارنة وعلاقتهم بلبنان.
عاد إلى لبنان عام 1967 حاملاً شهادة الدكتوراه، وبدأ مسيرة تعليمية وإدارية في مؤسسات الرهبانية اللبنانية المارونية، قبل أن يؤدي دوراً أساسياً في النهضة الأكاديمية التي شهدتها جامعة الروح القدس–الكسليك.
في الجامعة... التاريخ مفتاح لفهم الحاضر
أُسند إلى نعمان تأسيس معهد التاريخ والآثار في جامعة الروح القدس، وتولى إدارته نحو عشرة أعوام. كما شغل مواقع أكاديمية عدة، من بينها عمادة كلية الآداب، وشارك في إعداد أجيال من الطلاب والباحثين.

لم يكن التاريخ بالنسبة إليه سرداً لوقائع مضت، بل أداة لفهم الحاضر واستشراف المستقبل. وقد أكسبه جمعه بين البحث والمشاركة المباشرة في الأحداث موقعاً خاصاً؛ فهو لم يكتب عن زمن بعيد عنه، بل عن مرحلة تحرك في داخلها، والتقى شخصياتها، واختبر انقساماتها ومخاطرها.
رئيس الرهبانية في قلب الحرب
انتُخب الأباتي بولس نعمان عام 1980 رئيساً عاماً للرهبانية اللبنانية المارونية، واستمر في منصبه حتى عام 1986، خلال مرحلة شديدة القسوة من الحرب اللبنانية.
في تلك السنوات، تجاوز حضوره حدود الدير، فكان فاعلاً في الشأن العام ومدافعاً عن سيادة لبنان وحريته. كما شارك في محاولات الحوار والمصالحة بين الأطراف، وظلّ مقتنعاً بأن دور رجل الدين لا يقتصر على الوعظ، بل يشمل الوقوف إلى جانب الإنسان عندما تصبح كرامته وحريته ووجوده مهددة.
وعُرف نعمان بقربه من الرئيس المنتخب بشير الجميّل وبعلاقاته مع عدد من الشخصيات السياسية والفكرية، إلا أنه احتفظ بدور المحاور، وفتح قنوات تواصل مع شخصيات مسيحية وإسلامية وسورية في مراحل مختلفة.
قراءة في أزمات المسيحيين ولبنان
حذّر نعمان في مواقفه من أزمة القيادة لدى المسيحيين، ومن ابتعادهم عن دورهم المفترض جسراً بين مكونات لبنان. وفي المقابل، رأى أن شرائح واسعة من المسلمين والدروز حملت شعارات الحرية والاستقلال والدولة، بما يؤكد أن الدفاع عن لبنان لم يعد مهمة طائفة بعينها.
وكان جوهر رؤيته يقوم على الولاء للدولة اللبنانية وبناء نظام ديموقراطي يحمي الجميع ويمنع الاستئثار والهيمنة. كما ربط بقاء المسيحيين في لبنان بالأرض والعمل وفرص العيش، محذراً من أن الهجرة ليست ناتجة من الاضطهاد وحده، بل أيضاً من الأزمات الاقتصادية وغياب التنمية.
واختصر ارتباط الموارنة بلبنان بقوله إن لهم "ولداً وحيداً اسمه لبنان"، مؤكداً أن الحفاظ على الهوية يتطلب تثبيت الناس في أرضهم، وإنشاء مشاريع إنتاجية في الجبل والأرياف، ومواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية والديموغرافية.
"الإنسان، الوطن، الحرية"
جسّد كتاب مذكراته "الإنسان، الوطن، الحرية" خلاصة تجربته الروحية والوطنية. ولم يقدّمه بوصفه سيرة شخصية، بل شهادة على مرحلة حاسمة من تاريخ لبنان، وضعها بالتعاون مع الصحافي والكاتب أنطوان سعد.
وأوضح نعمان لدى توقيع الكتاب عام 2009 أن الكتابة كانت واجباً تجاه الأجيال المقبلة، وحفظاً لذاكرة الذين دافعوا عن لبنان. وكان يرى في الإنسان والأرض والحرية قيماً مترابطة صنعت التجربة اللبنانية وحمتها عبر التاريخ.
وضمّن مذكراته مراجعات لمواقفه وتجربته، مستنداً إلى الوثائق وشهادات المشاركين في الأحداث، وساعياً إلى الجمع بين صدقية المؤرخ وذاكرة الشخص الذي عاش الوقائع من داخلها.
وبرحيله، تفقد الرهبانية اللبنانية المارونية أحد أبرز رؤسائها السابقين، ويخسر لبنان مؤرخاً وفاعلاً وطنياً جعل من الدفاع عن الإنسان والوطن والحرية عنواناً لمسيرة امتدت أكثر من سبعة عقود.
نبض