900 صيدلية في دائرة الخطر من 3600؟
نحو 900 صيدلية من 3600 في لبنان أقفلت أبوابها أو باتت مهددة بالإقفال. بهذا الرقم الصادم، قرع نقيب صيادلة لبنان عبد الرحمن مرقباوي ناقوس الخطر، معلناً أن نحو 200 صيدلية أغلقت فعلياً، فيما تواجه أكثر من 700 خطر الإقفال إذا استمرت الأوضاع على حالها.
رقم بهذا الحجم يعني عملياً أن واحدة من كل أربع صيدليات تقريباً تواجه خطر الخروج من السوق.
"النهار" حاولت التحقق من توزيعها الجغرافي ومن أصحاب الصيدليات الذين يفترض أنهم أقفلوا أبوابهم فعلياً.
لكن المفاجأة كانت أن لا خريطة جغرافية واضحة لهذه الصيدليات ولا تواصل مع المتضررين، إذ إن مرقباوي لم يحدّد لـ"النهار" أين وكيف تتوزع الـ200 التي أغلقت والـ700 المهددة بالإقفال، كما لم يصلنا بأيّ من أصحاب الصيدليات الذين أقفلوا صيدلياتهم بالفعل، واقتصر التواصل على صيادلة لا يزالون يكافحون للبقاء.
لا يعني ذلك أن أزمة الصيدليات غير قائمة. فالشهادات والوقائع تكشف ضغوطاً حقيقية تتعلق بالكلفة وتراجع المداخيل والتهريب والمنافسة غير الشرعية. لكن حجم الأزمة الذي أعلنته النقابة يبقى موضع تساؤل ما لم تدعمه خريطة واضحة أو معطيات يمكن التحقق منها.
هنا يبرز السؤال: هل نحن أمام أزمة تهدد فعلاً هذا العدد من الصيدليات، أو أن رفع الصوت يتحول إلى ورقة ضغط؟
ماذا عن الـ3600 صيدلية؟
يبلغ عدد الصيدليات في لبنان نحو 3600، وفق مرقباوي، بينها نحو 1000 في المناطق الساحلية المكتظة بالسكان، فيما تتوزع البقية على مناطق الأطراف التي تواجه، بحسب النقابة، الضغوط الأكبر.
ويشير إلى أن نحو 300 صيدلية أغلقت في المناطق الحدودية نتيجة الأوضاع الأمنية والعسكرية، فيما يصعب على أصحابها إعادة فتحها أو نقل تراخيصها إلى مناطق أخرى، إذ لا يسمح القانون بذلك. أما تلك التي أغلقت لأسباب اقتصادية، فلا تزال أرقام النقابة في شأنها تحتاج إلى مزيد من التوثيق، خصوصاً في غياب خريطة توضح أماكنها.

الأزمة ليست وليدة اليوم. فمنذ الانهيار الاقتصادي، تراكمت خسائر القطاع، بدءاً من الأموال العالقة في المصارف، مروراً بنظام دعم الدواء وما خلّفه من خسائر في المخزون، وصولاً إلى ارتفاع الكلفة التشغيلية وتراجع المداخيل.
ووفق مرقباوي، لم تستردّ صيدلية كان مخزونها يقدّر بنحو 100 ألف دولار، بعد رفع الدعم، إلا 3000 إلى 5000 دولار. كذلك أوقف الموردون والوكلاء تسهيلات الدفع المؤجل، وأصبح الدفع النقدي المباشر شرطاً للحصول على الأدوية. في حين تراجعت نسبة استيراد الدواء إلى نحو 40 في المئة مما كانت سابقاً، وتراوح كلفة تشغيل الصيدلية الأساسية بين 1500 و2000 دولار شهرياً، بينها نحو 500 إلى 700 دولار للاشتراك في المولد.
أما هامش الربح، فيراوح في الدواء حول 22%، لينخفض في بعض الأصناف إلى واحد أو 1.5%، فيما تراوح نسبة الربح في المستحضرات التجميلية والمكملات بين 25 و35 في المئة.
منافسة من خارج القطاع
محمد الورداني الذي افتتح صيدليته في المنارة (البقاع الغربي) عام 2007، بدأ من الصفر معتمداً على جهده وقروض مصرفية، وتمكن لسنوات من توفير حياة مستقرة لعائلته. اليوم، يقول إن المصاريف الأساسية باتت عبئاً. لكن المشكلة بالنسبة إليه لا تقتصر على الوضع الاقتصادي. فهو يشكو دخول أدوية ومكملات ومستحضرات مهرّبة عبر المرفأ والمطار والمعابر الحدودية، قبل أن تجد طريقها إلى أماكن غير مخصصة لبيع الأدوية، من محال الملابس والخضر إلى المتاجر الإلكترونية.
ويحذر من تداول أدوية غير مبردة وغير شرعية ومن وجود منتجات مزورة، إلى جانب منافسة مستوصفات مدعومة سياسياً وحزبياً تبيع أدوية بأسعار أدنى من الصيدليات. كل هذه الفوضى تنعكس سلباً على الصيدليات ونسب البيع التي تحققها.
ماذا تطلب النقابة؟
تطالب نقابة الصيادلة بزيادة "جعالة الصيدلي" بما يسمح له بتغطية كلفته التشغيلية والاستمرار، إضافة إلى تنظيم بعض الخدمات الصحية التي تقدمها الصيدليات مجاناً وتحويلها إلى خدمات مدفوعة ومشرّعة قانوناً.
ويقول مرقباوي إن النقابة قدمت إلى وزارة الصحة صيغا للحلول، فيما يبدي الوزير ركان ناصر الدين تفهماً للمطالب ويدرس الخيارات الممكنة.
أما الورداني، فيختصر مطالبه بثلاثة عناوين: وقف التهريب، وتسهيل شروط شركات الأدوية مع الصيادلة، وزيادة جعالة الصيدلي بما يتيح له الاستمرار.
لكن ما يبدو رحمةً للصيدلي قد يتحول إلى نقمة على المريض. وهنا يبرز السؤال الأهم: هل هذه الصرخة والمطالبة بزيادة الجعالة هي فعلاً لإنقاذ الصيدليات، أو مقدمة لرفع أسعار الدواء؟
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
لا شك أن ثمة تغيراً وتطوراً حصل في سوريا بعد إسقاط النظام البائد، لكن يبقى السؤال هل الصورة وردية كما طرحها الشيباني في كلمته؟
نبض