هل أضاع الشيعة فرصة العودة إلى الدولة عام 2000؟
هل أضاعت الجماعة الشيعية فرصة العودة الكاملة إلى الدولة بعد الانسحاب الإسرائيلي التام من الجنوب في أيار 2000، ليندمجوا بها وتقوى بهم، ويحققا المصالحة التاريخية بعد طول افتراق؟
واستطرادا، هل الظروف والتحولات الميدانية والسياسية الأخيرة تسمح بإعادة تقييم الوضع ونهايات الرحلة الشاقة والمغامرات؟
بطبيعة الحال، يعرف راصدو الحالة الشيعية في لبنان أنه لم يكن ممكنا أن يجرؤ أحد على طرح الشق الأول من السؤال بشكله الحادّ والمكشوف، حتى قبل إعلان "حزب الله" حرب إسناد غزة وما تلاها من خسائر ونكسات وخيبات.
فالحزب والشيعة عموما كانوا في الأعوام الأربعة الأولى التي تلت انسحاب إسرائيل في قمة شعورهم بالانتصار وفائض القوة، وبدوا مشغولين بتوزيع دروس تجربتهم، وبالاحتفاء بما سمّوه أول من أمس انتصارا عربيا شعبيا على إسرائيل فرض عليها الجلاء عن أرض عربية احتلتها، من دون أيّ مقابل أو أثمان، لكن جزءا كبيرا من لبنان وفئة عربية وإسلامية شاركتهم آنذاك فرحتهم، وكان الحكم في لبنان يمحضهم الدعم والتأييد، والأمين العام للحزب آنذاك السيد حسن نصرالله يُدعى ليكون في الصف الأمامي في القمة العربية في بيروت، فيما كان الأمين العام لـ الأمم المتحدة يومها كوفي عنان ينتقل من مطار بيروت إلى الضاحية الجنوبية للقاء نصرالله، الذي كانت صوره ترتفع في شوارع القاهرة وعواصم عربية أخرى وعلى أبواب جامع الأزهر في القاهرة.
فرصة ضاعت
في ظل تلك المناخات، لم يكن الحزب والشيعة في لبنان مضطرين إلى أن يناقشوا في غرفهم المغلقة ما عليهم أن يفعلوه بعد ذلك.
ويبدو أن السيد نصرالله اكتفى بالوقوف خطيبا أمام حشود غفيرة في ملعب بنت جبيل بعيد الانسحاب الإسرئيلي، ليعلن أمرين: الأول أن الانتصار المحقق مهدى إلى كل لبنان، والثاني والأهم ليطلق شعاره الشهير أن "إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت"، منطلقا منه ليعلن رغبته في استكمال الصراع معها.
بمعنى آخر، لم يكن الحزب مضطرا إلى درس خيار العودة إلى الدولة، كما أن أحدا لم يكن في المقابل يجرؤ على أن يطرح عليه مثل هذا الخيار، ويرى كثر أنها كانت فرصتهم التي أضاعوها.
وعليه، انتظر الشيعة أكثر من أربع وعشرين سنة ليجدوا أنفسهم دفعوا الثمن، وليكتشفوا أن السلاح الذي كان أحد عناصر قوتهم ورافعتهم قد صار عبئا ثقيلا عليهم، ولم يعد ذاك الذي يشكل معادلة ردع مع الإسرائيلي، بل صار عنوان فتنة وخراب.
ليس من السهولة على البيئة الشيعية، على رغم ما بلغته أخيرا، أن تفرط بهذا السلاح وتعلن الانتفاضة عليه وترذله وتدعو إلى إلقائه غير مأسوف عليه، ما دام الإسرائيلي معتديا، ولكن من المؤكد أن الجماعة الشيعية الآن اكتشفت أن القضية المحورية التي من أجلها انوجد هذا السلاح بداية، باتت منسية ومهملة عند فئة واسعة من الاجتماع اللبناني، وخصوصا من الفئة التي اعتبرت ذات يوم أن القضية قضيتها فتولت الدفاع عن السلاح يوم كان يحمله أصحاب القضية أنفسهم عندما حلّوا في لبنان نهاية الستينيات، وهو ما يفرض على قسم من البيئة الشيعية أن يطرح السؤال: لماذا والحال هذه إصرارنا نحن وحدنا على حمل هذا السلاح، والأهم تحمل تبعاته وأثمانه؟
الخطيئة الأصلية
من البديهي أن في البيئة الشيعية من بدأ يسأل عما إذا كانت الخطيئة الأصلية هي فعلا وفق قول البعض عند الذين "غرّهم" فائض القوة الذي شعروا به ذات يوم وظنوا أن رياح الأمور ستظل تدفع بسفنهم وحدهم، فاستساغوا المضي طويلا في رحلة التحول إلى قوة إقليمية تسعى إلى نسف المعادلات التاريخية الراسخة والمركبة، فوسّع دائرة المتوجسين والحاسدين ودفعهم إلى الانخراط في لعبة إضعاف هذا السلاح ومحاصرته.
في ذروة الهجمة المشتركة على الحزب والشيعة، والتي ترفع علنا شعار تفكيك منظومة القوة عندهم ونزع سلاحهم، ليس من مجال بعد للمحاسبة والسؤال المباشرين، ولكن المؤكد أن توالي الانكسارات سيفتح الأبواب أوسع أمام طرح هذين السؤالين، خصوصا أن الهزيمة دائما يتيمة ولن تجد من يدافع عن المهزوم أو يذكر حسناته وفضائله السابقة، وستجد بطبيعة الحال من يعود إلى السؤال: لماذا لم تقنعوا بنصر عام 2000 وضخمتم آمالكم وقوتكم ولم تقدّروا الأمور حق قدرها؟
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
لا شك أن ثمة تغيراً وتطوراً حصل في سوريا بعد إسقاط النظام البائد، لكن يبقى السؤال هل الصورة وردية كما طرحها الشيباني في كلمته؟
نبض