حكاية الجنوب: مفتاح لبيت اختفى في ركام العودة

لبنان 02-09-2026 | 13:55

حكاية الجنوب: مفتاح لبيت اختفى في ركام العودة

يبقى الجنوب واقفاً بين ما كان وما سيأتي. يحاول أهله أن يعيدوا إلى الأماكن أسماءها، وإلى البيوت معناها، وإلى الركام شكل الحياة
حكاية الجنوب: مفتاح لبيت اختفى في ركام العودة
امرأة تتجول بقرب منزل مدمّر جراء القصف الإسرائيلي في جنوب لبنان.
Smaller Bigger

فاتن كحيل

 

في قرى الجنوب، لم تكن العودة نهاية الحرب بالنسبة إلى أهلها: كبيرٌ يبحث بين الحجارة عن عمرٍ بناه، وشابٌ يفتش عن مستقبله، وطفلٌ يسأل عن غرفته وألعابه.

 

"رجعت لبيتي... وما عرفت وين غرفتي". يقولها موسى وهو يقف أمام الركام، كأن المكان الذي حفظ تفاصيله حجراً حجراً صار غريباً عنه. طوال سنوات عمره، كان يعرف طريقه إلى كل زاوية في المنزل من دون أن يفكّر: الكنبة، غرفة والده، صورة زوجته... أما اليوم، فيقف أمام الحجارة ولا يعرف من أين يدخل. 

 

جنوب لبنان بين الماء والأرض: حرب على مقومات الحياة
السيطرة الاسرائيلية على 17 كيلومتراً من الليطاني ونحو 12 كيلومتراً من مجرى الحاصباني– الوزاني.

 

يصمت قليلاً، ثمّ ينحني بين الركام بحثاً عن أشياء صغيرة بقيت من حياته: فنجان مكسور، صورة، غرض قديم.

 

"أكثر شي وجّعني مش إنو البيت وقع. وجّعني إني صرت فتّش بين الحجار على أشياء صغيرة بتذكرني بحياتي". 

 

هنا، لا تبدو العودة مجرّد رجوع إلى القرية، بل مواجهة مباشرة مع ما بقي من عمرٍ بنوه وبيوتٍ لم تعد تشبه تلك التي خرجوا منها.

 

ففي قرى قضاء النبطية ومرجعيون، لا تظهر آثار الحرب كلّها في الأبنية المهدّمة. بعضها يسكن في وجوه الناس، وفي الصمت الذي يرافق عودتهم إلى بيوتهم.

 

عودة لا تشبه ما حلموا به

 

عاد الشباب، لكنهم لم يعودوا إلى الحياة التي تركوها. 

 

يقول علي الثلاثيني، من بلاط الجنوبية، وهو يشير إلى مكان منزله: "هون كان بيتي. كل شي بنيته راح. شغلي كمان ما عاد مثل قبل. لازم فكّر من وين بلّش. أرجع إبني؟ أترك؟ روح عالمدينة؟ ما عندي جواب".

 

 ويصيف: "نحنا جيل تعلّم كيف يبدأ من جديد أكثر من مرّة. بس الواحد بيتعب. بدو يحسّ إنو في محل ثابت بحياته".

 

على مقربة، تتحدث حنان، النازحة منذ ثلاث سنوات من بلدتها الخيام: "أنا ما كنت خايفة من الخراب قد ما كنت خايفة من المستقبل. البيت بيتصلّح، بس شو بعمل بحياتي؟ وين بدّي اشتغل؟ وين بدي عيش؟ وهل إذا بنيت هون، رح ضل هون؟ نحنا ما بدنا نترك قريتنا. بس بدنا نعرف إنو فينا نعيش فيها".

 

هذه الأسئلة تتجاوز البيت. فعدد من الشباب بات يتجه يومياً إلى المدينة قاصدا جامعته أو عمله، وقد تتحول المدينة مع الوقت من محطّة موقتة إلى حياة جديدة. وبالنسبة إلى آخرين، يصبح السفر خياراً مطروحاً عندما لا يرون فرصة واضحة أمامهم. وهنا يبرز السؤال: من يبقى ليعيد بناء الحياة إذا كان جيل الشباب هو أول من يبحث عن طريق للخروج؟

 

أين اختفى البيت؟

 

أمّا الأطفال، فعادوا بأسئلة لا يملك الكبار إجابات جاهزة عنها.

 

تقول "أم حسين" النازحة إلى مرجعيون، إن طفلها عند وصوله، ترجل من السيارة وبدأ يبحث عن البيت: "ماما وين بيتنا؟". أجابته: "هون". لكنّه لم يصدقها. "هون ما في بيت". لم يكن البيت مجرد جدران. كان غرفته وألعابه ودفاتره. لم يفهم لماذا اختفى كل شيء، ولماذا لا يمكن أن يعود كما كان. 

 

دمار في قرى جنوب لبنان جراء القصف الإسرائيلي.
دمار في قرى جنوب لبنان جراء القصف الإسرائيلي.

 

 

حسين، ابن العشر سنوات، يقول باكياً: "هون كانت غرفتي. كان عندي ألعاب هون، أي متى منرجع نعيش هون؟ أنا اشتقت لبيتنا. اشتقت لشباك غرفتي. كنت شوف منه الضيعة". 

 

هو لا يبحث عن تفسير للخسارة بقدر ما يسعى إلى الشعور بالأمان الذي افتقده خلال الحرب.

 

وفي مشهد آخر، يتوقف طفل عن اللهو في الخارج كلما سمع صوت طائرة أو انفجار بعيد، ثمّ يعود مسرعاً إلى ما كان منزله. صوتٌ عادي بالنسبة إلى آخرين، لكنه بالنسبة إليه ما زال يحمل ذاكرة أيام كان فيها الصوت يعني الخطر. 

 

ثلاثة أجيال... وثلاثة أسئلة

بين البيوت المهدّمة، تبقى تفاصيل صغيرة تختصر حياة كاملة: كرسي، صورة عائليّة، شجرة، باب لم يعد وراءه بيت، ومفتاح ظلّ في الجيب رغم اختفاء القفل. بالنسبة إلى أصحابها، ليست مجرد بقايا، بل ما يربطهم بمكان كان يوماً بيتاً وحياة وذاكرة.
ثلاثة أجيال عادت إلى المكان نفسه، لكن كل واحد منها حمل معه سؤالاً مختلفاً: كبير السنّ يتذكر السنوات التي بناها حجراً حجراً، والشاب يسأل عن مستقبله، والطفل يردد ببساطة: "أين غرفتي؟" 

 

يقول سامر من النبطية: "نحنا رجعنا، بس الرجعة مش إنك توصل عالضيعة. الرجعة إنّك تقدر تعيش فيها من جديد".  

 

ربما تختصر هذه الجملة معنى العودة كلّه. أن يصل الإنسان إلى المكان الذي غادره لا يعني أن الحياة عادت معه. عليه أن يبحث مجددا عن البيت، وعن الأمان، وعن نفسه. 
ويبقى الجنوب واقفاً بين ما كان وما سيأتي. يحاول أهله أن يعيدوا إلى الأماكن أسماءها، وإلى البيوت معناها، وإلى الركام شكل الحياة. وفي جيب أحدهم، قد يبقى مفتاح لبيت لم يعد موجوداً... مفتاح لقفل اختفى، وذاكرة لا تزال تنتظر بيتاً.


الأكثر قراءة

المشرق-العربي 8/30/2026 6:52:00 PM
تمت مداهمة مكان اختبائه في مدينة صافيتا بريف طرطوس.‏
آراء 8/30/2026 1:13:00 PM
ماذا يحدث عندما تنشأ قطيعة خطيرة وغير قابلة للإصلاح بين البطريرك وسينودس أساقفة الكنيسة البطريركية، ويرفض البطريرك، رغم طلب السينودس، تقديم استقالته؟
اقتصاد وأعمال 9/1/2026 4:02:00 PM
بحسب الوثائق والتقارير، خضعت منشأة "كورال" لسلسلة من عمليات الكشف والتدقيق من جهات رقابية ورسمية ودولية.