ماذا عن الغياب المدوي للدور الروسي عن لبنان؟
تتوالى الاتصالات من كل حدب وصوب عن ماهية الدور الروسي في لبنان الغائب منذ فترة طويلة، لا بل أنه بات حديث المعنيين: أين موسكو من الملف اللبناني؟ ولطالما كان لها دور وحضور وزيارات من موفدين روس إلى لبنان في كل المحطات منذ الاتحاد السوفياتي "الراحل" وصولا إلى روسيا اليوم، فيما لقاءات السفير الروسي في بيروت ألكسندر روداكوف مقننة مع المرجعيات الرئاسية والسياسية.
من هنا، لماذا غياب دور موسكو عن لبنان؟
الخبير في الشؤون الروسية الدكتور زياد منصور قال لــــ "النهار"، لا يبدو دقيقاً الكلام عن "إدارة روسية للظهر" للبنان بقدر ما يمكن الحديث عن إعادة ترتيب للأولويات وخفض مستوى الانخراط السياسي العلني. فالسفير الروسي ألكسندر روداكوف لم يغب عن الحركة الدبلوماسية تماماً: التقى الرئيس جوزف عون في آذار 2026، ووزير الدفاع ميشال منسى في آذار ونيسان، ووقّع في الخارجية اتفاق إعفاء حاملي الجوازات الدبلوماسية والخدمة والخاصة من التأشيرات في 22 نيسان، كما التقى مدعي عام التمييز رامي الحاج في أيار، ثم وزير الداخلية أحمد الحجار والرئيس عون في تموز. وهذا يعني أن القناة الروسية ما زالت تعمل، وإن كانت أقل ضجيجاً سياسياً وإعلامياً.
ويردف منصور قائلاً، من المنظور الروسي، يمكن تفسير هذا التحول بثلاثة عوامل مترابطة. أولاً، الحرب الأوكرانية استنزفت جزءاً كبيراً من الموارد الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية الروسية، ورفعت كلفة توسيع الحضور الاقتصادي في دول مرتبطة بالنظام المالي الغربي. والعقوبات الغربية الواسعة على روسيا جعلت التحويلات والتجارة والاستثمار أكثر تعقيداً، وهو عامل ينعكس حكماً على العلاقات الاقتصادية الروسية–اللبنانية.
ثانياً، تغيرت البيئة الإقليمية بعد التحولات السورية. فسوريا بالنسبة إلى موسكو تتقدم استراتيجياً على لبنان بسبب المصالح العسكرية والأمنية والجيوسياسية الروسية المباشرة فيها؛ وبالتالي يُنظر إلى لبنان بدرجة أكبر كساحة ينبغي الحفاظ فيها على قنوات الاتصال ومنع الانفجار، لا كساحة تنافس روسي مباشر مع الولايات المتحدة.
ثالثاً، يبدو أن موسكو انتقلت في لبنان من سياسة المبادرات الكبيرة إلى سياسة الحضور المؤسساتي الهادئ. وهي تؤكد دعم سيادة الدولة والمؤسسات والحوار الداخلي؛ وقد أبلغ روداكوف الرئيس عون في آذار دعم موسكو للقرارات السيادية اللبنانية، فيما شدد في شباط على إجراء الانتخابات في مواعيدها الدستورية.
ويخلص منصور إلى القول : لذلك، لا تتوافر معطيات موثوقة تثبت وجود "أمر خفي" أو قرار روسي بالانسحاب من لبنان. الأرجح أن هناك انكفاءً تكتيكياً لا تراجعاً استراتيجياً: موسكو تحتفظ بعلاقاتها مع الدولة والقوى اللبنانية، لكنها لا ترى حالياً ضرورة أو قدرة على منافسة الثقل الأميركي–الغربي والسعودي بصورة مباشرة. كما أن حساسية المؤسسات اللبنانية تجاه العقوبات والقطاع المالي الدولي تحدّ عملياً من إمكان تحويل الرغبة الروسية في توسيع التعاون إلى شراكة اقتصادية واسعة. ومع ذلك، فإن توقيع اتفاقات ثنائية خلال 2026 واستمرار اللقاءات الرسمية يشيران إلى أن روسيا تريد إبقاء الباب اللبناني مفتوحاً انتظاراً لتحولات إقليمية قد تعيد رفع قيمة الورقة اللبنانية في حساباتها.ملاحظة توثيقية: الخلاصة المتعلقة بـ"الانكفاء التكتيكي" هي استنتاج تحليلي من نمط التحركات الموثقة، وليست موقفاً روسياً معلناً. كذلك لم أعثر على دليل موثوق يسمح بالجزم بأن واشنطن طلبت تحديداً من الحكومة اللبنانية عدم توسيع العلاقات التجارية مع روسيا؛ لذلك لا يصح تقديم هذه الفرضية كحقيقة مثبتة. ومن المفيد أيضاً تسجيل أن روداكوف اجتمع في 24 آب/أغسطس 2026، مع رئيس دائرة العلاقات الخارجية في بطريركية موسكو، وبحث العلاقات الروسية–اللبنانية، بما يؤكد استمرار الاهتمام بالملف اللبناني ولو من دون نشاط صاخب ".
نبض