منتحلو الصفة في لبنان: "أطباء" زائفون ومختبرات وهمية ومخالفات بالجملة

لبنان 11-08-2026 | 10:30

منتحلو الصفة في لبنان: "أطباء" زائفون ومختبرات وهمية ومخالفات بالجملة

تظهر الممارسات المخالفة أكثر في المناطق الحدودية مع سوريا، ولا سيما عرسال والبقاع الأوسط وبر الياس وعكار.
منتحلو الصفة في لبنان: "أطباء" زائفون ومختبرات وهمية ومخالفات بالجملة
ضبط مستلزمات طبية مهرّبة في لبنان.
Smaller Bigger

"أنا طبيب بكندا، وهذه بطاقتي النقابية". بهذه العبارة يبدأ أحياناً الاحتيال. بطاقة تبدو رسمية، واسم وشهادة يصعب على الشخص العادي التحقق منها، ثم عرض مغرٍ: حملة طبية إنسانية في لبنان، أدوية ستوزّع على المرضى في المستوصفات، ومقابل يومي يصل إلى 200 دولار. وبعد أسابيع من التواصل وبناء الثقة، يأتي الطلب: "هناك 700 دولار عالقة لتخليص الأدوية، حوّلها وسنعيدها إليك فور وصولنا".

قد تبدو الحكاية للوهلة الأولى خيالية، ولكن وفق ما يرويه رئيس تجمع نقباء المهن الصحية في لبنان البروفسور يوسف بخاش لـ"النهار"، فإن أكثر من شخص وقع فعلاً في هذا الفخ، بينهم كاهن رعية قدّم شكوى أمام مركز أمن الدولة في زحلة، إلا أن القصة مرّ عليها تسعة أشهر ولا يزال ملفها عالقاً في الأدراج.

غير أن القصة أبعد من ذلك، وملف "منتحلي الصفة" لا يقتصر على أشخاص ينتحلون شخصية طبيب بهدف الاحتيال المالي. فالقطاع الصحي في لبنان يعاني منذ سنوات أشكالا متعددة من التفلت، تبدأ من ممارسة مهن صحية من دون حق قانوني، وتنتهي بالتزوير وتهريب الأدوية والمعدات الطبية وحتى إدخالها إلى البلاد بطرق غير شرعية.

من هنا، جاء تحرّك تجمع نقباء المهن الصحية، بعد نحو ستة أشهر من ورش العمل والاجتماعات التي جمعت النقابات ووزارات الصحة والداخلية والعدل وسائر الجهات المعنية. وبعد تسليم الملف إلى رئيس الجمهورية جوزف عون، زار وفد من التجمع برئاسة بخاش وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار، وسلّمه نسخة من الملف واقتراحاً لإنشاء مكتب متخصص بمكافحة منتحلي الصفة في القطاع الصحي.


 

تجمع نقباء المهن الصحية في زيارة لوزير الداخلية أحمد الحجار
تجمع نقباء المهن الصحية في زيارة لوزير الداخلية أحمد الحجار

 

من هم منتحلو الصفة؟ وأين ينتشرون؟

"في كل جزء من القطاع الصحي هناك منتحلو صفة"، يقول بخاش. يعمل هؤلاء بصفة أطباء ومعالجين فيزيائيين، وفي المختبرات، وفي التمريض وسائر المهن الصحية. ومن الأمثلة التي يطرحها بخاش، شخص يدّعي أنه ممرض ويعمل في مستشفى، فيما هو أجنبي لا يحق له ممارسة المهنة في لبنان. وينطبق الأمر أيضاً على أطباء أجانب، بينهم سوريون أو أطباء آتون من دول أوروبا الشرقية، يمارسون العمل من دون استيفاء شروط مزاولة المهنة.

لكن القطاع الأكثر عرضة لهذه الظاهرة هو قطاع التجميل، حيث تنتشر ممارسة البوتوكس والفيلر والليزر خارج الإطار القانوني الذي يسمح فقط لأربعة اختصاصات طبية بأن يفتح أصحابها مراكز للطب التجميلي، هي: جراحة التجميل، جراحة الأنف والأذن والحنجرة، جراحة الفك، وطب الجلد.

أما الواقع، فيختلف كثيراً. ثمة إعلانات على وسائل التواصل الاجتماعي تروّج لحقن البوتوكس والفيلر بأسعار منخفضة، فيما يتولى هذه الإجراءات أشخاص من خارج الاختصاص الطبي. ويشير بخاش إلى أن نقابة الأطباء أغلقت خلال فترة توليه منصب النقيب نحو 90 مركزاً في بيروت، فيما يقدّر أن عدد المراكز غير المطابقة للمواصفات في هذا المجال يتجاوز الـ1500 في لبنان.

ولا تتوقف المخالفات عند التجميل. فبحسب بخاش، ثمة مختبرات وهمية تسحب عينات الدم في لبنان وترسلها إلى سوريا لإجراء الفحوص، قبل إعادة النتائج إلى المريض. وتظهر هذه الممارسات أكثر في المناطق الحدودية مع سوريا، ولا سيما عرسال والبقاع الأوسط وبر الياس وعكار، كما في الجنوب والضاحية.

 

مكتب للمكافحة 

المشكلة وفق بخاش، لا تكمن فقط في وجود منتحلي الصفة، بل أيضاً في غياب جهة واحدة يمكن اللجوء إليها عند الاشتباه في حالة غشّ. فإذا ورد إخبار، تبدأ رحلة طويلة بين وزارتي الصحة والداخلية وسائر الأجهزة المعنية، ولا تنتهي إلا بضياع الملف بين هذه الجهات قبل أن يصل إلى نتيجة.

لذا يقترح تجمع نقباء المهن الصحية إنشاء "مكتب لمكافحة منتحلي الصفة"، يتولى تلقي الإخبارات والتحقق منها والتنسيق بين الجهات المعنية. فعند ورود بلاغ، يكون هناك شخص أو ضابط متفرغ للمهمة، يستطيع التواصل مع النقابة المعنية ووزارة الصحة والجهات الأمنية للتأكد من صفة صاحب العلاقة ومؤهلاته، ثم تحريك الأجهزة المختصة عند ثبوت المخالفة.

ويجمع الاقتراح بين صلاحيات وزارة الصحة في التحقق من تسجيل الممارسين واختصاصاتهم، ووزارة الداخلية وأجهزتها الأمنية في الاستقصاء والتحرك، ووزارة العدل في مسار المحاسبة القضائية. ويضم الملف أيضاً المقترحات العملية التي صيغت بالتعاون مع المستشارين القانونيين في وزارتي الصحة والداخلية.

الجدير ذكره، أنه بعد تسليمه إلى رئيس الجمهورية ثم إلى وزير الداخلية، من المقرر أن يسلّم التجمع الملف إلى وزير الصحة، على أن تتولى الوزارتان رفع اقتراح إنشاء المكتب إلى مجلس الوزراء. ويتوقع بخاش أن "يبصر المرسوم الوزاري النور قبل نهاية السنة" إذا سارت الإجراءات بالسرعة المطلوبة.

 

تجمع نقباء المهن الصحية في زيارة لرئيس الجمهورية جوزف عون
تجمع نقباء المهن الصحية في زيارة لرئيس الجمهورية جوزف عون

 

المواطن خط الدفاع الأول

إلى حين تحوّل المقترح إلى مرسوم، يبقى المواطن "المتضرر الأول وخط الدفاع الأول". لهذا، يعمل التجمع بالتوازي مع وزارة الصحة على حملة توعوية تبدأ بالطب التجميلي، وتشرح سبل اختيار الطبيب والتحقق من صفته واختصاصه.

ويحذّر بخاش عبر "النهار" من اختيار الطبيب بناءً على إعلانات وسائل التواصل الاجتماعي فقط، خصوصاً في إجراءات كالبوتوكس والفيلر، داعياً إلى الاطلاع على اختصاصه وشهاداته ومكان عمله، والتحقق من تسجيله لدى النقابة والجهات الرسمية المختصة.

وبينما تحاول النقابات نقل الملف من خانة الشكاوى المتفرقة إلى آلية مؤسساتية موحّدة، يبقى إنشاء مكتب واحد خطوة تنظيمية لا حلاً سحرياً. فالمشكلة لا تنتهي بحصر الإخبارات في جهة واحدة، ما لم تترافق مع جدية في المتابعة، وإرادة في الملاحقة، ومحاسبة فعلية للمخالفين.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 8/3/2026 6:35:00 PM
علقت العائلة يافطات في العاصمة عمان تعلن فيها براءتها منه والمطالبة بإعدامه.
شمال إفريقيا 8/10/2026 7:38:00 AM
جريمة قتل مزودجة بين سيارة وشقة سكنية تودي بحياة أسرة من 4 أفراد في مصر!
كشف تقرير لـ"نيوزويك" أن هاني حنجور، قائد الطائرة التي استهدفت البنتاغون في هجمات 11 أيلول، أجرى رحلات عدة في أجواء واشنطن قبل الهجوم للتعرف إلى المجال الجوي للمنطقة.