اللجا... حيّ حمل اسم اللجوء وعاد ليختبر معناه
حين اشتدت وتيرة القصف على الضاحية الجنوبية لبيروت، حمل كثيرون ما استطاعوا من حاجاتهم وغادروا منازلهم بحثاً عن مكان أكثر أمناً.
في تلك اللحظة، عاد حيّ اللجا في قلب المصيطبة إلى دور ارتبط بتاريخه. فالحي الذي نشأ قبل عقود مع موجات نزوح أبناء الأطراف إلى العاصمة، والذي حمل في بداياته اسم "حي اللجوء"، فتح أبوابه مجدداً أمام نازحين فرّوا من الحرب.
من الأرياف إلى العاصمة... كيف وُلد حي اللجا من حركة النزوح؟
يسرد الكاتب والباحث السياسي والإعلامي غسان همداني لـ"النهار" قصة حي اللجا، قائلاً إن "الحي يقع ضمن أحياء بيروت الكبرى في منطقة المصيطبة، وككل الأحياء ترتبط تسميته بشخص أو مناسبة.
فتلة الخياط، مثلاً، سُمّيت نسبة إلى العلامة الشيخ محيي الدين الخياط، وبرج أبي حيدر نسبة إلى دارة تاريخية كانت تُعرف بـ"البرج"، بناها أمير من آل أبي حيدر، أما الطريق الجديدة فسُمّيت نسبة إلى شق طريق من منطقة الحرج إلى الطريق البحرية في منطقة المنارة".
أما حي اللجا، فيختلف في دلالة تسميته، إذ تعود حكايته إلى حقبة تاريخية قاسية من تاريخ لبنان. ويربط همداني نشأة الحي بمرحلة شهدت تراجع الاهتمام بمناطق الأطراف، ما دفع سكان الأرياف إلى النزوح باتجاه العاصمة بحثاً عن فرص العمل والاستقرار.
ويقول: "منذ إعلان دولة لبنان الكبير، لم تولِ السلطات اللبنانية اهتماماً كافياً للأطراف، ومع اعتماد لبنان على السياحة والترانزيت لم تكن الزراعة محط رعاية، ما أدى إلى إهمال الأرياف، ودفع سكانها إلى النزوح نحو بيروت. كما لعبت الحوادث الأمنية والاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب دوراً كبيراً في جعل النزوح منه إلى العاصمة هو الأكبر".
ويضيف: "من هنا تبدأ حكاية حي اللجا، إذ كانت التسمية الأولى للحي "حي اللجوء". توزّع السكان الذين نزحوا بين أقارب لهم أو لدى أرباب عملهم، أما من لم يجد مسكناً، فاستأجر غرفة في مجموعة منازل متلاصقة عُرفت بـ"الحوش"، حيث كانت المنافع مشتركة بين الجميع. ومنهم من بدأ العمل بائعاً متجولاً، أو حمّالاً في المرفأ، أو في متاجر مختلفة الاختصاصات".

اللجا... حيّ تحوّل من سوق شعبية إلى قرية مصغرة في قلب بيروت
بحسب همداني، كان حي اللجا سوقاً شعبية للخضر يقصدها السكان من معظم أحياء المصيطبة، قبل أن يتحول تدريجاً إلى منطقة تضم مباني ومحلات تجارية، فيما انحسرت السوق إلى مساحة ضيقة ما زالت الأبنية القديمة تحافظ فيها على حضورها.
ويشير إلى أن اللجا "ليس حياً شعبياً فحسب، بل هو أشبه بقرية اجتماعية مصغرة في قلب بيروت، يتشارك أهلها الأفراح والأتراح". وقد جسدت الأديبة بلقيس الحوماني، من بلدة حاروف، روح هذا الحي وطبيعته وطريقة عيش أهله ومعاناتهم وأفراحهم في قصتها "حي اللجا"، التي أصبحت مرجعاً أدبياً وتاريخياً لكل مهتم بتاريخ الحي.

"لم يكن هناك مكان آمن"... شهادات من اللجا خلال أيام الحرب
تروي ف.ه. (50 عاماً)، لـ"النهار" كيف اضطرت إلى مغادرة منزلها في الحي مسرعة برفقة زوجها خلال "الأربعاء الأسود"، عقب تعرض المنطقة لقصف أسفر عن سقوط ضحايا. اختارت حينها النزوح موقتاً إلى منطقة أخرى داخل بيروت، قبل أن تعود إلى منزلها مع انتشار الأخبار عن تحييد العاصمة والضاحية الجنوبية عن القصف الإسرائيلي.
بدورها، تقول ر.ح. إنها غادرت الضاحية الجنوبية ولجأت إلى حي اللجا، حيث تقيم ابنتها، ومكثت هناك ثلاثة أشهر بعد أن اضطرت إلى الفرار من منزلها في منتصف الليل، إثر تضرره جراء القصف الذي استهدف شارع عبد النور في منطقة حارة حريك. وأعادت تجربة النزوح إليها ذكريات بعيدة، إذ كانت قد نشأت وترعرعت في منطقة المصيطبة قبل زواجها. وعندما وجدت نفسها نازحة فيها مجدداً، التقت جيران الطفولة الذين عاشت بينهم وعرفتهم منذ سنواتها الأولى. وتقول إن هذا اللقاء كان الجانب الوحيد الذي خفف عنها قسوة التجربة ومنحها شعوراً بالألفة وسط الخوف.
وتستعيد لحظات القلق قائلة: "قصفوا المنطقة ونحن هنا، ولم يكن هناك أي مكان آمن".

بين القصف والحركة الاقتصادية... كيف عاش اللجا أيام الحرب؟
أما أحمد عيتاني (45 عاماً)، صاحب متجر لبيع الكاميرات، فيؤكد أنه لم يفكر في مغادرة الحي إطلاقاً، حتى بعد تعرضه للقصف: "لم أفكر بالأمر، على رغم أننا فعلياً كنا نعيش حالة حرب".
ويضيف أن المنطقة كانت مكتظة أصلاً، وأن عدد السكان خلال مرحلة النزوح تجاوز قدرتها الاستيعابية، إذ اضطرت عائلات عدة إلى تقاسم المنازل، ووصل الأمر في بعض الحالات إلى إقامة عائلتين في المنزل الواحد.
ويتابع: "عندما بدأ النزوح، نشطت الحركة الاقتصادية وازدادت حركة البيع والشراء، لأن النازحين، كما هي حال أي إنسان، كانوا يحتاجون إلى متطلبات الحياة. وعلى العكس، بعد عودة الأهالي وخروج النازحين، تراجعت الحركة كثيراً وانخفض العمل بشكل ملحوظ".
مختار المصيطبة: إحصاء أعداد النازحين صعب وحي اللجا كان أبرز وجهاتهم
يقول مختار المصيطبة محمد العانوتي لـ"النهار" إن إحصاء عدد النازحين الذين وصلوا إلى الحي "أمر صعب"، لكن المؤكد أن حي اللجا، إلى جانب مناطق أخرى مثل زقاق البلاط والباشورة والخندق الغميق، كانت من أبرز الوجهات التي استقبلت النازحين.
ويضيف أن بعض النازحين في حي اللجا قصدوا منازل أقاربهم وأهاليهم الذين استقروا فيه منذ عقود، بعد انتقالهم إلى بيروت من الجنوب.
ويرى العانوتي أن بيروت كانت مكتظة حتى قبل الحرب، ولم تكن الوجهة الوحيدة للنزوح، إذ فضّل البعض الانتقال إلى مناطق أقرب إلى أماكن سكنهم الأصلية، مثل صيدا وإقليم الخروب.
وعن احتمال نزوح السكان أو النازحين بعد الضربة الإسرائيلية التي استهدفت المنطقة في "الأربعاء الأسود"، يشير الى أن "لا مكان آمناً، ولا منطقة لم تتعرض للقصف"، لافتاً إلى أن العناية الإلهية أنقذت أرواحاً كثيرة عند استهداف المبنى القريب من قصر صائب سلام.
بعد أكثر من نصف قرن على ولادته كملاذ للفارين من الفقر والحرب، عاد حي اللجا ليؤدي الدور نفسه في زمن الحرب. تغيّر سكانه وشكله العمراني، لكن بقي الاسم شاهداً على قصة لبنانية متكررة: أبناء القرى يغادرون منازلهم بحثاً عن الأمان في العاصمة، قبل أن يجدوا أن الحرب لم تترك مكاناً بعيداً عن الخطر.
نبض