الحليب تحت المجهر... 38 معملاً أُقفلت وخطة لضبط سوق الألبان
38 معملاً أُقفلت، والجبنة البيضاء المهرّبة من سوريا مُنعت، والحليب المجفف بات تحت رقابة أشد... ليست هذه إجراءات متفرقة، بل بداية خطة أطلقتها وزارة الزراعة لإعادة ترتيب واحد من أكثر القطاعات الغذائية حضوراً على المائدة اللبنانية: الحليب ومشتقاته.
فاللبنة والجبنة والحليب ليست مجرد منتجات يستهلكها اللبنانيون يومياً، بل قطاع ينتج نحو 450 طناً من الحليب الطازج كل يوم، ويوفّر مصدر رزق لآلاف المربّين والمصانع. إلا أن هذا القطاع واجه لسنوات منافسة غير عادلة، بفعل الغش والمحضرات الغذائية التي تشبه مشتقات الحليب من دون أن تكون مصنوعة منه، إضافة إلى التهريب والاستيراد غير المنظم.
من هنا جاءت حملة "خلّي الحليب الطبيعي... خيارك الطبيعي"، ليس فقط لتشجيع المستهلك على شراء المنتج المحلي، بل لإعادة تنظيم القطاع بأكمله، من المزرعة وصولاً إلى رفوف المتاجر.
بحسب وزير الزراعة نزار هاني، يقوم هذا القطاع على سلسلة إنتاج واسعة، إذ "يضم لبنان نحو 350 مصنعاً مسجلاً لدى وزارة الزراعة، إضافة إلى ما يقارب 10 آلاف مربٍ للمواشي. وتُقدّر الثروة الحيوانية بنحو 65 ألف رأس من الأبقار الحلوب، و450 ألف رأس من الأغنام، و350 ألف رأس من الماعز".
في المقابل، يستورد لبنان سنوياً 17 إلى 20 ألف طن من الحليب المجفف، يخصّص نحو 60% منها للمصانع، و40% للاستعمال المنزلي.
ورغم هذه الأرقام، لا يعدّ إنتاج الحليب الطازج مهمة سهلة. إذ يقول هاني لـ"النهار" إن هذا المنتج "يحتاج إلى مساحات، ومياه، ورعاية مستمرة، وأعلاف، ومعالجة دقيقة للحفاظ على الجودة، ما يجعله من أكثر المنتجات الزراعية كلفة وصعوبة في الإنتاج". لذلك يشدّد على أن الأمر يدفع الوزارة إلى دعم أصحاب المواشي أكثر وتشجيع الناس على استهلاك الحليب الطبيعي، مضيفاً أن "الحملة ليست مبادرة إعلامية عابرة، بل جزء من خطة متكاملة لتنظيم سلسلة إنتاج الحليب ومشتقاته"، بما يضمن استمرارية جميع حلقات الإنتاج، من المزارع إلى المستهلك.
كيف تنظّف الدولة سوق الألبان؟
تنفذ وزارة الزراعة بالتعاون مع وزارات الصناعة والاقتصاد والصحة، خطة ترتكز على محاور رئيسية، أبرزها:
-دعم الإنتاج المحلي.
-تشديد الرقابة.
-تنظيم الاستيراد.
-رفع وعي المستهلك.
على مستوى الإنتاج، اتُفق مع معامل الألبان والأجبان على استيعاب كل كميات الحليب الطازج اللبناني، التي تراوح بين 400 و450 طناً يومياً، بما يضمن تصريف الإنتاج المحلي ودعم المربين. كذلك جرى التفاهم مع نقابة أصحاب الأبقار الحلوب على خفض سعر ليتر الحليب الطازج من 80 سنتاً إلى 75 سنتاً، ضمن آلية تراعي مصالح المربين والصناعيين والمستهلكين، وتساهم في استقرار الأسعار.

أما على مستوى الرقابة، فقد كثفت وزارتا الزراعة والصناعة حملات الكشف على المصانع، وأسفرت حتى الآن عن إقفال 38 معملاً مخالفاً من 55 مصنعاً جرى الكشف عليها، بعدما ثبت إنتاجها أو تسويقها محضرات غذائية مغشوشة أو منتجات شبيهة بالألبان والأجبان باستخدام خلطات غير مطابقة للمواصفات أو مواد بديلة قد تضر بصحة المستهلك.
ولم تتوقف الإجراءات عند المصانع، بل شملت تنظيم استيراد الحليب المجفف والمواد الدهنية البديلة، إلى جانب التنسيق مع وزارة الاقتصاد لتنظيم استيراد الزيوت المهدرجة المستخدمة في تصنيع منتجات تشبه مشتقات الحليب. وأعدّت الوزارة قراراً يقضي بفصل المحضرات الغذائية عن مشتقات الحليب داخل السوبرماركت، بما يتيح للمستهلك التمييز بينها بسهولة عند الشراء.
ولا تقتصر الخطة على ضبط الإنتاج المحلي، بل تمتد إلى مكافحة التهريب، ولا سيما دخول بعض أنواع الأجبان البيضاء من سوريا في صورة غير شرعية، وهو ما كان ينعكس سلباً على المنتج اللبناني. ويكشف هاني أن وقف استيراد الجبنة البيضاء السورية شكّل أحد محاور الخطة، إلى جانب ضبط كميات كبيرة كانت تدخل لبنان بطرق غير قانونية.
هكذا، تعمل الوزارة على تنظيم استيراد المنتجات التي يمكن تصنيعها محلياً بجودة عالية، بهدف حماية الصناعة الوطنية، والحد من المنافسة غير المتكافئة، وتشجيع الاستثمار في القطاع.
إلى جانب كل هذه الإجراءات، يشدد هاني على أن الهدف الأساسي للحملة هو "رفع وعي المستهلك"، ودعوته إلى قراءة المكونات والتمييز بين المنتجات المصنوعة من الحليب الطبيعي وتلك التي تعتمد على بدائل أو محضرات غذائية. ويؤكد أن زيادة الطلب على الحليب الطازج تعني دعماً مباشراً للمزارعين، وتشجيعاً للمعامل على شراء الإنتاج المحلي، بما يضمن استدامة القطاع.
في بلدٍ اعتاد أن يدفع ثمن الأزمات حتى على موائده، لا تعود عبوة الحليب أو قطعة الجبنة مجرد سلعة غذائية، بل تعكس حلقة كاملة تبدأ من المزارع، وتمرّ بالمصنع، لتنتهي على رفوف المتاجر. ويبقى نجاح تنظيم هذا المسار رهناً باستمرار الرقابة وتطبيق الإجراءات في السوق، والتمييز بين المنتج الطبيعي والمحضرات الغذائية.
نبض